جدة : كتب المحرر
هكذا فتح لنا في ديوانه الجديد باباً كنت أعتقد أنه تم قفله منذ زمن ورمينا مفتاحه في البحر.. بعد أن كنا نعيشه بكل المتعة.. أقصد هذا النوع من الشعر الشعبي بلهجته الحجازية.. وبالتحديد في هذه المدن الثلاث مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة بعد أن كان يتسيده ببساطة نخبة من الشعراء يأتي في مقدمتهم مع حفظ الالقاب احمد قنديل وعمر عبدربه ومحمد درويش وحسن نصيف ومحمد بادكوك وغيرهم من شعراء ذلك الجنس الشعري في تلك الأيام.. بتلك اللغة الشاعرة وبذلك الاحساس المعجون بحكايات الحارة.. وبشخوصها في مفردات ملتقطة من أفواه أولئك الذين كانوا يتعايشون بشفافية مع مجتمعهم.
ليأتي شاعرنا – زمام – أي محمد أحمد مشاط ليحيي هذا النوع من الشعر من مكمنه في بساطة ابن البلد الذي لم تنسيه غربته الطويلة في أمريكا كل هذه المفردات واستخدامها برشاقة الشاعر اقرأ ما يقول:
أنا أتولدت زي كثير في حارة المظلوم
أخذت منها الشهامة والعفاف بالكوم
حتى بلغت المناصب، والزمن ما يدوم
بس المبادئ في قلبي، وشم قديم موسوم
ثم يذهب بنا الى اعتزاز ابن البلد بنفسه في لغة سلسة فيها ذلك العنفوان الصارم عندما قال:
طول عمري شملول، وف كل الأمور حشري
وأحب قول الصراحة.. يعني مفتشري
اصلي أحب بلدي.. ول أهلها عشري
بس الصراحة تسامي، والنفاق بشري
هكذا تأتي كلمة – شملول – أي قادر على الاحاطة بكل شيء حوله في خفة ورشاقة لا تعترف بالتخاذل.. او التسويف وهو يحب الصراحة.. ومفتشري هذه تعني الوضوح لا الغموض.
ثم يأتي على كلمة ملغوص واللغوصة هي تعكير الشيء النظيف اسمعه وهو يصف ذلك:
لغوص في كل المجالس
واستغفر الله وتاب
وقال أجوز عوانس
واستر العزاب
وكم تقصع نسانس
صيبانها في الغاب
نعم هذا “لغوص” ولكنه تاب وراح يجوز عوانس.. وعوانس هذه رغم قسوتها إلا أنها كانت ولازال البعض يذكرها للفتاة التي لم تتزوج.
اسمعه وهو يقول في لهجته المحببة عندما يقول – القفة – وهي المفردة التي غابت عن ابناء هذا الزمان عندما يقول:
بس عبي في القفة يا عاقل وحط في الخرج
هادي مبادئ زمانك مفخرة للهرج
من يبني ما ينعزل وحده في اعلى البرج
انزل مع الناس وجهز معولك والسرج
وهذه كلمة اخرى تكاد تكون اندثرت – الخرج – وهو ما كان يوضع على ظهر – الحمار – ويملأه صاحبه “بأشيائه” التي يكون قد اشتراها.. فوضعها داخل ذلك – الخرج – لابد أنكم تعرفون ذلك الطائر ذو الصوت الخلاب عندما يصدح فوق أحد الأشجار في ذلك الصباح.. بتغريداته فائقة الاحساس.. اسمع عندما يخاطبه قائلاً:
يا نغري أسعدتني
برقتك وغناك
فوق الغصون تنتظر
حبك وما وافاك
ما أنبح صوتك؟ وما
تنشز بموسيقاك
نفيت بصوتك بشر
عن الطرب أفلاك
لاحظ مفردة – ما أنبح صوتك – كلمة كأنها مشتقة من النباح – ليس نباح الكلب ولكن من كثرة ما رفع صوته حتى أصاب صوته شيء من – البحاح – أي بعض الحشرجة في الصوت.
أحمر بدنجان.. لكن لفظة مجعرم لا يعرفها أبناء هذا الزمان وهي تعني الشيء غير السليم في تكوينه لكنه ادخل اسم عجرم الفنانة نانسي في لماحية موزونة منه اسمعه وهو يقول:
هذا الزمان ارتضى
كل قاسي ومجعرم
حتى الغنا في الفضا
تدويخ ما يرحم
وياما احمر بدنجان
زاهي ومردردم!
وليش نلوم الزمان
لو ننتشي بعجرم؟
ولم يستطع شاعرنا أن يغفل ما نمر به من حالة توهان بهذا الارهاب الذي يكاد يكون عاماً اسمعه وهو يستنكر هذا الحال:
قريت الفقه والأحاديث
درست توحيد مع أصحابي
وما قالوا لي في التدريس
براوا صرت وهابي
وكيف طلعوا الأباليس
وخلوا الدين إرهابي؟
نعم كيف طلع هؤلاء الأباليس وجعلوا من هذا الدين ومن يتبعه ارهاب؟
على أن هناك شعراء فصحى لا يستنكفون من استخدام المفردات الشعبية.
شاعرنا الكبير ابراهيم الغزاوي عندما قال:
بأبي من رأيتها فاسترابت
نظرتي نحوها فقالت: علامك؟
مفردة علامك شعبية أو عامية فهذا شاعرنا المبدع أحد قنديل عندما خلط المفردة الشعبية بالفصحى:
بروحي من أسميها بستّي
فتنظرني النحاة بعين مقت
يرون بأنني قد قلت لحنا
فكيف وإنني لزهير وقتي
إلى ان يقول :
ولكن غادة ملكت جهاتي
فلا لحن اذا ما قلت ستّي
وهذا شاعرنا المذاب في الرقة الشعبية حسين صيرفي اسمعه وهو يقول:
مراوح الحرم.. ماذا يضرك لو انبرمت مثلاً. فكلمة “انبرمت” شعبية مغرفة في الشعبية.
•• إن المفردة الشعبية لها مذاقها ودفقها إذا ما اتت في مكانها بلا تعسف.
وبعد
إن شاعرنا المشاط الذي أعاد للذاكرة بعض المفردات الشعبية حسن صيرفي التي نكاد ننساها استطاع أن يقذف في الماء الراكد حصاة ليحركه قبل أن يأسن.
