الأخيرة الأرشيف

العلاقة بين الحاج وبين الدليل كيف كانت؟!

يعدها : علي محمد الحسون

•• كانت “المناخة” في ذلك الزمان قبل خمسين عاماً في مثل هذه الأيام تتحول الى منطقة “صاخبة” فيها تتحرك – الحياة – وهي تستقبل حافلات الحجاج القادمين للمدينة المنورة الذين كانوا يأتون منذ شهر رمضان حيث تصل أولى بواخر حجاج شرق اسيا.. جاوا مثلاً والهند مبكراً .. ليمتد سكنهم في المدينة المنورة أكثر من شهرين حتى الذهاب الى مكة المكرمة للقيام بفريضة الحج، وكانت اخر رحلة بواخر تعود الى الشرق مع بداية شهر صفر للعام الجديد أي يستغرق بقاء الحجاج ستة أشهر.
كانت حركة الناس مرتبطة بتلك الأعداد القادمة من هناك لتزداد الحركة اتساعاً عند وصول حجاج شمال افريقيا من المغرب والجزائر وتونس وليبيا.. وتصل الحركة الى ذروتها، بل وبهجتها بوصول بوادر الحجاج المصريين الذين يعطون للموسم شكله المفرح أو هو بالأصح الفرائحي.. بتلك “الزغاريد” التي تطلقها الحاجات المصريات عند مدخل شارع العينية، وهن يشاهدن باب السلام في المسجد النبوي الشريف.
كان الأدلاء يعيشون حياتهم المزهرة مع حجاجهم الذين يهتمون بهم انطلاقاً من تلك العلاقة “الحميمة” بينهم تلك العلاقة التي فتلت على مدى العمر.. لقد كان الحاج يشعر أنه في بلده، وبين أسرته.. إذا التقى بدليله الذي كان يهتم به سكناً وضيافة وعلاجاً، وزيارة لكل المشاهد التاريخية.. ابتداءً من زيارته للمسجد النبوي الشريف، والوقوف به أمام القبر الشريف مسلماً الى بقيع الغرقد حيث قبور أهل البيت والصحابة وزوجات النبي رضوان الله عليهن وبناته وعماته وابنه ابراهيم الى أحد حيث سيد الشهداء، وقبور شهداء أحد ومن ثم الى قباء مروراً بالقبلتين، والسبعة مساجد، بل ويصل الحال ببعضهم بالذهاب بهم الى منطقة بدر.. كانت علاقة مبنية على الحب والاحترام، وفي بعض الأحيان تصل الى علاقة أسرية.. لا تنفصل أو تنفصم.
الآن بعد هذه العلاقة التي كان يحرص عليها الدليل، ويفرح بها الحاج، ويبحث عنها الحاج ما هو الواقع الآن هل هي ذات العلاقة.. ابداً لقد تحول الحاج عند الدليل الى رقم جاف لا روح فيه.. صحيح هناك خدمات تقدم للحاج من قبل مؤسسة وضعت لهذا الغرض، لكنها حركة لا روح فيها، لقد انعدمت العاطفة بين الحاج ودليله التي كانت هي المحرك لتلك العلاقة التي بينهما.
إن من عاش تلك الفترة، وهذه الفترة الآن يعرف الفارق الذي قصدته من كل هذا الذي ذكرته.
لقد كان لأولئك الأدلاء سمتهم، وحضورهم الطاغي بتلك “المقدرة” الجاذبة لمن حولهم ولحركتهم التي كانت محاطة بتلك “الكاريزما” التي تمثلهم شديد التمثيل. فكانت لهم سطوتهم المحببة على كل من يتعاملون معه بأريحية فائقة.. كسبوها من دربه غاية في التهذيب والاحترام انعكس كل ذلك على مسيرتهم في عملهم مع حجاجهم بذلك الصدق والمحبة والوفاء. انه ذلك الزمن الجميل الذي كان له لون وطعم ورائحة زكية جداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *