الأرشيف محليات

الشيخ صالح بن عبدالله بن حميد.. وتجذّر ثقافة الوسطية والاعتدال والتّسامح

[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]بقلم. أ. د. عاصم حمدان[/COLOR][/ALIGN]

** أسْعَى في هذه الكلمات التي أتشرف بالمشاركة بها في حفل تكريم معالي الشيخ صالح بن عبدالله بن حميد، في هذه الاثنينية التي يرعاها الإنسان الأديب الشيخ عبدالمقصود خوجة، لبيان ما لهذا الرجل من مكانة في قلبي وفي قلوب الكثير من الناس الذين يعرفون له مكانته، ويدركون جليل صنيعه، وغزير علمه، ولا مناص لي من العودة إلى الذّاكرة لأنفض عنها غبار السنين، موقناً أن شيئاً من الوهن قد أصابها، وتلك سنة الله العلي القدير في عباده وأحوالهم ومعاشهم.
أذكر أني قدمت الى الأرض المباركة مكة المكرمة، حيث تنزل الوحي في فضائها ومن أوديتها وجبالها ودورها على سيّد الكائنات وخاتم الأنبياء وشفيع الامم في يوم الميعاد سيدنا محمد بن عبدالله صلاة الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وكان ذلك في أواخر الثمانينيات الهجرية، وكان الحرم المكي الشريف يحفل بأساطين العلم والمعرفة في حلقاته العلمية الموغلة في تاريخ وسيرة هذه الجامعة الكبرى، وكان ممن أكرمني الله بالجلوس إليهم والأخذ عنهم في البلد الحرام أصحاب الفضيلة المشايخ: حسن المشاط ،وحسن يماني، وعلوي المالكي وابنه محمد، ومحمد أمين الكتبي الحسني، وعبدالله خياط ،ومحمد نور سيف، وعبدالله دردوم، وعبدالله بن دهيش، وعبدالله اللحجي، وحسن فدعق، وعبدالله بن حميد – رحمهم الله جميعاً – وسواهم.
وأذكر أن بداية حلقة الشيخ ابن حميد الوالد – رحمه الله – كانت عند بئر زمزم في موقعها القديم، ونهايتها عند حدود باب السلام، وكانت تمتلئ بطلاب العلم ومريديه على اختلاف أعمارهم ومشاربهم، وكنت اذا استمعت الى أجوبته على الاسئلة التي تطرح عليه تدرك تمكنه من الفقه الشرعي واصول الشريعة، ولم يكن ذلك غريباً عليه، فهو ينحدر من أسرة علمية معروفة، وكان من أبرع وأهم تلاميذ سماحة الشيخ محمد بن ابراهيم رحمه الله، ولترسخ هذه القاعدة الفقهية لديه التي تعد من أهم أسباب التمكن في علوم الشريعة المختلفة، فلقد تولى – رحمه الله – القضاء ولم يبلغ بعد الثلاثين من عمره.
** كان الشيخ ابن حميد في تلك الحقبة التي اتحدث عنها رئيساً لهيئة الإشراف الديني لشؤون الحرمين الشريفين وإماماً للحرم المكي الشريف، ولقد تواتر عن معظم الناس الذين أدركوا تلك الحقبة ما كان يتمتع به – رحمه الله – من سمات وخصال عديدة منها التسامح، وسعة الافق، واستشراف المستقبل، واخذ الناس بالرفق واللين، ومعالجة قضايا الناس بالحكمة والستر، ولم يكن ليرضى في مجلسه أن يذكر أحدٌ بسوء أو نقيصة، أو طعن في العقيدة والسلوك، كما كان يجل نظراءه ومجايليه من أهل العلم والفضل، وتلك لعمري سمات ورثها ابنه الشيخ صالح عن أبيه، وهي تبرز جلية في مؤلفاته ودروسه العلمية، وخطبه البليغة التي تذكرنا بعظات المشايخ: عبدالعزيز بن حسن، وعبدالعزيز بن صالح وعبدالله خياط ،وسواهم ولهذا نشأ الشيخ صالح وسطياً ومعتدلاً، فكان بذلك من أوائل الدعاة للوسطية في المنهج والسلوك.
** وفي كل المناصب التي تقلدها ضيفنا وحبيبنا الشيخ ابن حميد لم يتغير على من عرفهم أو عرفوه، فكان يسأل عنهم اذا ما غابت شخوصهم عنه، ويزورهم اذا ما دعوه في مناسباتهم، فتراه مشاركاً إياهم في أفراحهم، ومواسياً لهم في أتراحهم، ولعلي استرجع من الذاكرة ما يؤكد على ما ذهبت إليه، فلقد كتبت مرة مقالاً عن مكتبة الحرم المكي الشريف، فاتصل بي مستفسراً ومناقشاً وشاكراً.
وموقف آخر أني كنت قد حدثته بعد توليه المنصب الذي كان والد يملؤه بعلمه وفصله،أعني رئاسة الحرمين الشريفين عن أحوال المؤذنين في المسجد النبوي الشريف، وذكرت له أن شباباً من أهل المدينتين المقدستين يتطلعون للمشاركة في هذا الواجب والشرف الإيماني الكبير، فاستجاب واختار اثنين من ذوي الأصوات الندية للحرم النبوي الشريف، ويحمد له أن فتح هذا الباب الذي ظل لسبب أو آخر مغلقاً مدة من الزمن.
وهاتفي مرة مدفوعاً بحسن الظن، وبكل أدب جم وتواضع لا اصطناع فيه، عما اختزنته ذاكرتي عن مؤذني المسجد النبوي الشريف، فدفعت له بما كتبته عن ذلك في موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة، فاتصل شاكراً. ولعل الفرق بين حبيبنا ابن حميد وآخرين هو أنه يتصل بك مباشرة، ولا يدع ذلك لسكرتيره أو مدير مكتبه، وذلك مسلك من أكرمهم الله بالحس الإنساني الرفيع، ورفع عن قلوبهم غوائل العجب والكِبر، ولم تخرجهم بهارج المناصب التي يتولونها عن الجوهر الذي طبعت عليه نفوسهم، والمعدن الأصيل الذي استقوه من منابع العلم الحقيقي واللدني، حيث جثوا على أقدامهم يأخذون العلم ويضيفون إليه خلقاً إنسانياً رفيعاً، فتزدان وتزدهي بهم المناصب التي يتبوؤنها.. نعم، إن صالح بن عبدالله بن حميد رائد متواضع، ما أكثر الذين رفعهم تواضعهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *