الأرشيف شذرات

الزمن الجميل عطاء .. فـجحود… فـشكوى

في زمنٍ تعصف به الأوهام والتصورات , وتتأرجح فيه النظريات والمعتقـدات أخشى أن يكون فيه الكلمة الأخيرة لأصحاب الأيدلوجية المشابهة طبق الأصل للحالة التي وصل إليها أعمدة الفن السعودي بشقيه الغـنائي والتمثيلي في الزمن الجميل
يقول الشاعر الفرزدق :
وفي الأرض عن دار القلى مُتحوّلٌ
وكـل بلادٍ أوطنتك بلاد
ويقول صاحبه :
وإذا البلادُ تغيـّرت عـن حالهـا
فدع المقـام وبادر التحويلا
ليس المُقام عليك فرضا واجبًا
في بلدةٍ تدعُ العـزيز ذليلا
***
هذا هو لسان حال الفئة الأولى من رواد الفن السعودي , الذين عاشوا في الزمن الجميل وقدّموا أجمل الألحان وأعذب الأصوات ثمّ هاجروا بأصواتهم بحثًا عن التقدير والتمكين .أمثال الفنان حمدي سعد , الفنان عابد البلادي , الفنان علي عبدالكريم , الفنانة , عائشة الحربي , الفنانة ابتسام لطفي ــ وسيلحق بهم كثيرون ــ وغيرهم أكثر .
هؤلاء وأمثالهم عانوا من التجاهل مقابل ما قدموه من عطاءات وتضحيات للمجتمع والناس والإعلام في وطنهم .. ممّ اضطرهم للتفكير بالهجرة إلى دول مجاورة للبحث عن الجادة والمادة … فبادرت إحدى الدول الخليجيّة ” دولةقطر ” بتوجيه الدعوة لهم وقدمت لهم الدعم المعنوي والمادي واللوجستي وهيأت لهم كافة السبل للعطاء وتجديد حناجرهم وصقلها كي يشدو بأجمل الألحان وأروعها , قدّرت فنّهم وأكرمت مسيرتهم وأسكنتهم أحضانها وهيأت لهم المتكأ الوثير .. فــ ارتموا فيها مغتبطين متنعمين لـ احساسهم أنها هي الملجأ والملاذ من الجحود والنكران الذي لحق بهم في وطنهم وأبرمت معهم العقود المغرية لتقديم جلسات وحفلات من خلاص إذاعة صوت الخليج ــ ذكر أحد الفنانين في لقاء معه أنّ الجلسة أو الحفلة الواحدة قيمة عقدها ما بين الثمانين والمئة ألف ريال قطري بالطبع هذا مبلغ كبير في ظروف الفقر والعوز التي يعيشها فنانو الزمن الجميل ـ أسفًا ـ بين أبناء مجتمعهم وفي مرابع وطنهم.
***
” الفنان محمد حمزة يشكو من عدم إعطاء التلفزيون السعودي له قيمة العقد المتبقي من مسلسل قدمه لهم قبل سنوات “!!! وأما الفئة الأخرى فقد انزوت وأوصدت الأبواب واستسلمت للعجز كرهًا لا طوعًا ـ ومنهم الملحن الموسيقار سراج عمر الذي عمد إلى حرق مكتبته الفنيّة وما بها من كنوز وثروات فنيّة لأنه فقد الاهتمام والرعاية ممّن منحهم فكره وفنه وجزيل عطاؤه.
الفنان سراج عمر اسمه ارتبط بـ السلام الملكي السعودي الذي يردده كل يوم الملايين من أفراد الشعب السعودي .. فهو الموسيقار الذي أعاد توزيعه الموسيقي بالآلات النحاسيّة العسكرية
***
أقول بعد قول الفرزدق وصاحبه :
الناس في تفكيرها عجبٌ عجب
بيـن النجاة وبيـن ضوء المغريـات
تمضي مع الأهـواء مكرهةً إذا
لم تعتلي مجدًا كباقي الساريات
بالأمـس يحرق رائـدا أمـجادهُ
يشكو تجاهل أمـّةٍ أعطـت فُتات
واليوم إحداهنّ تصرخ باكيه
ضاقت بظلـمٍ طال كلّ الرائدات
غنّت بصوتٍ صادحٍ وكأنّهـا
تبحث عن المسؤول بين المُعطيات !
***
تلك هي الفنانة السعودية ابتسام لطفي التي تمردت على الشكوى وخرجت من قبو الخنوع .. وقالت أنا ما زلت هنا .. قادرة على العطاء أكتب وأغني وألحن وأوزع .. ومحبي ” بسمة ” خلفي يرددون بكل حب وإعجاب .. غنّت جرح فنانات جيلها وعزفت أحاسيس الألم التي بداخلهن جرّاء الرمد الذي أعمى العيون … والجحود الذي سقر القلوب .. عندما سمعتُ صوتها قلت في نفسي ” إحساس بسمة صوتٌ آخر ” صويحباتها ورفيقات دربها على إختلاف أزمانهن ومشاربهن كُثر ومنهن غندرة , عيدة عيد , خديجة عيد , زبيدة , شافية , نديبة , سارة عثمان , سارة مسفر …. وغيرهن .
الفنانة توحـة التي أتقنت العزف على العود واشتهرت كثيرا في زمنها , وقالت في حوارٍ معها أنّ الإعلام ظلمها وأجحف حقها وتنّكر لفنها ولم يقدّر أعمالها الفنيّة .
أما الفنانة الشعبية حامديّة ” والتي كانت تكتب كلمات الأغنية بنفسها وتلحنها وتغنيها .. وأشكّ أنّ جميع أغاني التراث التي يتشدّق بها فنانو وفنانات اليوم هي من كلمات أولئك الأفذاذ العباقرة .
وأما عن الفنانة صالحة حامديّة فهي صاحبة ذاك الصوت الشجي الجميل الذي أتقن مخارج الحروف وأبدع في اللحن وتمكّن من الآداء بكل مهارةٍ وحنكة غنّت باللهجة الحجازيّة والبدويّة والمصريّة فـ أتقنت وأبدعت , وكانت توزع كل عائدات حفلاتها على الفقراء والمحتاجين في حيّها الذي تسكنه بمكة .
أتعلمون أين هي الفنانة صالحة حامديّة الآن وكيف هو حالها ؟
من يستعين بالشيخ ” قوقل “ـ أطلقتُ عليه اسم شيخ لأنه وقور صبور ـ
وأقول سوف يجد العديد من الحناجر الذهبية التي قدمت وضحت من أجل تزيين الأفراح بصوتها الجميل وزخرفة الأمسيات بـ أدائها الرائع وإضفاء البهجة والسرور على نفوس الآخرين ….
يُتبع في العدد القادم.
***
الشاعرة والكاتبة : عروق الظمأ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *