علي محمد الحسون
هنالك شخصيات تعطيك أسلوب حياتهم بتلك الجدية وبذلك السلوك الباحث عن الحق والعدالة أنهم لم يعيشوا شيئاً من لهو اللعب في طفولتهم ولا دخلوا في متاهات الشباب عندما شبوا عن الطوق.. كأنهم لم يعرفوا شيئاً من شقاوة الأطفال أصلاً.. ويعطونك انطباعاً صارماً بأنهم لم يمروا بأية مرحلة لا بد أن يمر بها كل شاب.
إنهم بذلك السلوك يؤكدون عند من يتعرف عليهم أنهم عاشوا حياة كلها جد .. وعمل .. لكن هذا السلوك لم يفقدهم معرفة ما يجري أمامهم من مداخلات أو حتى مآخذ على من يمارس بعض تلك المداخلات..
ومن أتحدث عنه هنا يأتي في هذا النوع من الشخصيات كأنه لم يعش طفولته بكل ما في الطفولة من لهو وعدم اهتمام وبراءة .. هكذا وجد نفسه يعيش الرجولة منذ أن تفتحت عيناه على الحياة زاده ذلك اغراقاً في هذا الاحساس بكونه أصبح رجلاً من خلال ممارسته للعمل بجانب والده فتحمل مسؤوليته منذ البداية فأعطى كل جهده واخلاصه للعمل حتى اذا ما أخذته السنوات في طياتها لم يجد صعوبة في التكيف بحمل المسؤولية التي وجد نفسه في داخلها منذ الصغر.. وهو واحد من أولئك الذين ينطبق عليهم ذلك القول الكريم من تأمنه بقنطار يؤده إليك .. (الآية). لكونه عاش الصدق في تعاملاته منذ البداية فأصبح صادقاً في كل ما يراه وقد يدخله ذلك الصدق والإيمان في نزاعات لم يكن ليدخل فيها لو لا ايمانه بما يعتقد.
***
أذكر أني رأيته لأول مرة قبل سنوات عديدة وإن كنت أعرفه حرفاً – مباشراً – في دخوله إلى القضايا التي يطرحها بلا تلاون أو حذر وتلك المباشرة قد تجعله يقع في قسوة العرض دون أن يقصد تلك القسوة لكنها هي تلك الروح التي يتمتع بها.. والغريب أن تلك المباشرة لم تستطع روح الشاعر التي تسكنه أن تضع سداً أمامها.. فالشاعر لا يجد نفسه في المباشرة لطبيعة القصيدة وماهيتها فهي تعتمد على الخيال وعلى رقة الكلمة وعذوبة المعنى.. فبنويتها تختلف تماماً عن بنوية المباشرة التي يمارسها في – النثر- والتي قد تكون مكتسبة من تلك الحياة الأولى والتي وجد نفسه فيها..
إنه من أولئك الذين لا يتعاملون مع الأشياء بوجهين، له وجه واحد، مهما كان الموقف الذي أمامه وتلك ميزة الذين صبغت حياتهم بالوضوح. وبالصرامة في التعامل.
***
أقول عندما رأيته لأول مرة وجهاً لوجه كان يومها يعمل متعاوناً في جريدة “الندوة” أيام رئاسة الأستاذ حامد مطاوع لرئاسة تحريرها رحمه الله، وكان لقاء كأننا نعرف بعض من سنوات فوجدت فيه روح ابن البلد القادم من أحد حارات مكة بكل ما تمثله تلك الحارات من عنفوان ومعرفة بطبيعة الأشياء فوجدت فيه ذلك الاتزان في القول وإن كانت لا تفوته ملاحظة على موقف أو على شخصية يقولها همساً وتكون في صوابيتها فتذهب مثلاُ عند من سمع بها. إنه من أولئك الذين يذهبون في تعاملاتهم مع الآخر بكل الوضوح.. وبكل الصدق والأمانة، له من طبائع الناس الهادئين ما يجعله أكثر معقولية في اتخاذ قراراته.. لقد أعطاه التصاقه بأنواع من الناس في عالمنا الإسلامي القدرة على محاكمة طبائع الناس.. فهو أحد الذين ارتبطوا بالرابطة الإسلامية فزاده ذلك أفقاً واسعاً في حركة تلك الشعوب.. ومعرفة طبائعها.. والوقوف عند قضاياها.. كل ذلك صبغه بأفق واسع ومعرفة شاملة بتلك الثقافات.
إن محمد أحمد الحساني هو ذلك – الرجل – الذي استطاع أن – يستسكن – نفسه بعيداً عن بهرج الحياة.. وضجيجها .. بل وصخبها، فله فلسفته في الابتعاد والاقتراب من الآخرين تحددها نفسية كريمة وعزيزة.فهو الرجل المتكلم في صمته.
