( شراعة)
•• من هذا – الشباك – الذي نطل منه على ذكريات مضت وقد حرصت على أن تكون لأناس قد كانت لي معهم مواقف مباشرة لا عن شخصيات لها مكانتها الفكرية والأدبية ولكن لا يوجد لهم مواقف معي شخصياً، لهذا أسجل اعتذاري إن أنا لم أذكرهم.
ثانياً هذه الذكريات – عن الذين رحلوا إلى بارئهم وليس عن من يعيشون معنا متعهم الله بالصحة والعافية وطولة العمر.
•• أذكر في منتصف الثمانينات الهجرية أن حدثني عنه شاعرنا المرهف الحس الطافح بمشاعره الفياضة المرحوم حسن مصطفى الصيرفي رحمه الله عندما قال لي وقد كان قادماً من توه من اجتماع لأسرة الوادي المبارك.
لقد أتيت الآن من باب المجيدي من منزل الأستاذ المربي الفاضل محمد سعيد دفتر دار .. وراح استاذنا الصيرفي يحدثني في تدفق عنه الأمر الذي شجعني على ان اطلب منه ان يصحبني معه في المرة القادمة وقد كان وعلى صغر سني أيامها احتفى بي الاستاذ كأحد تلاميذه عندما سمع مني اعجابي بما كان يكتبه عن بعض أعلام المدينة المنورة .. بعد ذلك اللقاء الذي جرى بحضور اعضاء اسرة الوادي المبارك وهم على ما اذكر مع حفظ الالقاب عبدالعزيز الربيع – محمد الشبل – محمد عيد الحظراوي – هاشم رشيد وعبدالرحيم أبو بكر طلبت من الاستاذ الصيرفي عند خروجنا ان يرتب لي معه موعداً لاجراء حوار معه لمعرفة مشواره العلمي الطويل حيث كان معتمداً للمعارف ومديراً لثاني ثانوية في المملكة بعد مدرسة البعثات في مكة المكرمة ومن ثم العودة إلى الثانوية بعد أن تولى إدارتها الاستاذ أحمد بشناق عاد إليها مدرساً.
وقد كان وذهبت إليه ورحب بي ترحيباً حاراً ولكنه اعتذر اعتذاراً حاراً أيضاً عن اجراء الحوار لكونه يمر بوعكة صحية أيامها حيث قال انا الآن في سن متقدم وهذه “الحمى” لا تجعلني أقوى على الحديث فانتم الشبان لكم طاقة كبيرة نحن لا نملكها الآن وانا وافقت على لقائك لما سمعته من أخينا الصيرفي عنك.
يومها خرجت من عنده وأنا كلي إيمان بأن هناك أناساً يملكون من قوة التأثير على الآخر ما يجعلهم أسيرين لهم .. ومن علو الفكر ما يجعلهم أكثر قدرة على صوابية الرأي ومن التواضع والبساطة ما يجعلك لا تملك إلا أن تحترمهم وتقدرهم وتعلم أن كل ما ازداد الإنسان علماً كلما ازداد تواضعاً ورفعة وهم لا يحفلون بمظاهر الحياة وبهرجها ولا يتزينون لها لأنهم عارفون بأنها ذات أغيار يعملون كل ذلك مع قدرتهم على الوصول إلى مظاهرها لو أنهم ارادوا ذلك.
لقد كان رجلاً متدنياً أشد التدين مع تفهم للحياة.. وكان له من الأيادي الخيرية التي كان يقوم بها في الخفاء بعيداً عن الأعين الشيء الكثير والنبيل كان رجلاً رقيقاً في إهابه وفي سمته لا يعشق العنف وإن كان صارماً في شكله – كان مربياً بسيرته لا بقوته.
التقيته ذات يوم صدفة في شارع العينية وهو يمازح ذلك الرجل الجاد في عمله الذي لا يعترف بالمزاح إلا في الحالات النادرة ومع من ترتاح إليه نفسه كان رجلاً شديد القسوة عندما يجلس في مكتبته في شارع العينية ويقلب في اكوام المجلات القادمة من مصر ومن الشام وحزم الجرائد من الداخل وكنت محل دهشة لما أرى واسمع.
التفت إلى الاستاذ قائلاً:
شوف إذا طلعت معي التركية ما أعرف ماذا أفعل؟
فرد عليه الاستاذ ضاحكاً:
سوف اكتفها هذه التركية قوم نصلي في المسجد النبوي الشريف.
فكان أن غطى مقدمة – المكتبة – بذلك القماش الخفيف وذهبا إلى المسجد في صمت.
كنت اتابعهما في ذلك اليوم وأنا شديد الاندهاش ولازال ذلك الوصف الذي وصفه به ماثلاً في ذاكرتي.
إنه قاسي في ملامحه ولكنه لين في طبعه . هكذا وصف صاحب مكتبة ضياء لقد كان المرحوم الكبير الاستاذ محمد سعيد دفتر دار فارع الطول من هيبة العلم الذي جعله مكان احترام وتقدير من يراه أو يجلس إليه ليستمع إلى حديثه ذلك الحديث النام عن روحه السمحة وعلو معرفته بالآخرين رحمه الله وأسكنه فسيح جناته, والتي أتته المنية في عام 1392هـ.
علي محمد الحسون
