يلاحظ تطور جديد، ربما يبشر بتحول بسياسة روسيا في الشرق الاوسط في المدة الاخيرة في تصريحات تبدو منسقة، لمسؤولين روس كبار (خبراء متقدمين بشؤون الشرق الاوسط، وساسة بل رئيس روسيا نفسه، الذي أسمى المعارضة في الشرق الاوسط في وسائل الاعلام بأنها يحركها ارهابيون) صدرت في منتديات مهمة وفي وسائل اعلام. ويشتمل كلامهم على تصريحات تندد بالموجة الثورية التي تضرب الشرق الاوسط والتي تعرض بأنها سلبية في أساسها والتي تحمل معها آثارا خطرة على الاستقرار الاقليمي والدولي.وهم يزعمون ان \"الربيع العربي\" يتحول بالتدريج الى \"صيف اسلامي\"، بتمهيد الطريق لتولي قوى من المعسكر الاسلامي المتطرف السلطة، وهي مسيرة تعرض بأنها تنشأ وانه لا يمكن عكسها في أساسها.
وبحسب فهمهم فإن هذه الثورات غير المتوقعة حركت أبناء الجيل الشاب على خلفية اجتماعية اقتصادية وعلى خلفية طلب الحرية السياسية، لكنهم لا يستطيعون الابقاء على انجازات الثورة.فالسلطة سيتولاها كما يعتقد المتحدثون اجهزة منظمة انضمت الى المعارضة التي تواجه النظم القائمة، وبينها جهات اسلامية كثيرة. فهذه أخذت تستعد لاستغلال الوضع الذي نشأ ويتوقع ان تصل سريعا الى مواقع مؤثرة في الدول المذكورة. وبحسب فهم المتحدثين الروس، لا يوجد في دول الشرق الاوسط، التي تتميز بمجتمعات تقليدية في شكلها، احتمال لانتصار الديمقراطية. ستكون نظم الحكم في المستقبل التي يتوقع ان تنشأ وتثبت غير ديمقراطية، واسلامية في طابعها. وفي خضم ذلك يتوقع المتحدثون الشر لأكثر الدول في المنطقة في نطاق المسيرة التي لا يمكن وقفها الآن في رأيهم.
ويُسمع من جملة ما يُسمع شوق الى نظم الحكم السابقة التي كانت فاسدة مستبدة في الحقيقة لكنها مستقرة ومعارضة للاسلاميين. سيكون نموذج الحكم المستقبلي الذي يتوقع ان يرسخ في رأي عدد من المحللين، في أحسن الحالات، هو النموذج التركي. وستكون للصورة الموصوفة بحسب المتحدثين الروس آثار سيئة على النظام الاقليمي بل العالمي. يتوقع من جملة ما يتوقع ان يتأثر الوضع بعقب التغييرات السلبية التي تحدث في تركيا. فقد عُرضت هذه بأنها تسعى الى اعادة بناء ‘الدولة العثمانية’ وبأنه لا يمكن صرفها عن هذا الطموح. ويضاف الى ذلك البرنامج الذري الايراني الذي لم يعد من الممكن وقفه ويتوقع ان يستكمل في غضون سنتين أو ثلاث.
ولهذه الحقيقة آثار شديدة على الاستقرار الدولي ولا سيما في ضوء حقيقة ان دولا اخرى في المنطقة ستعمل من اجل التسلح الذري. ويتوقع نتيجة ذلك انهيار نظام الرقابة على السلاح الدولي مع كل تأثيراته. في هذا الواقع لن تكون القوى الاسلامية المتوقع وصولها للحكم شريكا في الحوار مع النظام الدولي بل ستطمح الى تحقيق أهدافها الجغرافية السياسية.
يُعرض النظام الدولي في هذا السياق باعتباره غير ناجع وباعتباره عاجزا في واقع الامر. فقد فشلت المنظمات الدولية كالامم المتحدة وحلف شمال الاطلسي في علاج الخطر الذي أخذ ينشأ وأخذت تفقد من أهميتها. وتُعرض الولايات المتحدة بأنها أخذت تفقد تأثيرها في الشرق الاوسط وفي النظام الدولي عامة. بل ان اوروبا تتدهور وتتعرض لهجوم اسلامي، سيسيطر عليها من الداخل إن عاجلا أو آجلا. والكتلة الغربية في تراجع في الشرق الاوسط وفي العالم كلهٍ ويتوقع ان يتغلب الاسلام على الغرب في الوضع الناشيء. وعلى ذلك يتضح خوف روسيا من تدهور الاستقرار الاقليمي، وكذلك قلقها من فقدان مواطيء قدميها في الشرق الاوسط، وهو وضع يعرضها لضرورة اتخاذ خطوات للحفاظ على انجازاتها.
