سامر الياس
تتفاوت التقديرات في شأن الفاتورة الاقتصادية للربيع العربي وتتراوح الخسائر حسب دراسات وتصريحات مختلفة ما بين 75 و100 مليار دولار حتى بداية العام الحالي، إضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة إلى مستويات قياسية، وينذر الضرر الكبير الذي لحق بالبنية التحتية وتراجع الإنتاج والسياحة مع استمرار الاضطرابات في بعض البلدان وعدم استقرار الحياة السياسية في بلدان أخرى إلى رفع الكلفة وتباطؤ التعافي الاقتصادي.
ولعل ما يزيد من الفاتورة الاقتصادية في العام المقبل التوقعات بتعمق أزمة الديون الأوروبية، وأزمة الاقتصاد الأمريكي ما ينعكس سلباً على البلدان العربية التي شهدت حراكاً شعبيا لإسقاط الأنظمة نظراً لتراجع الاستهلاك، وحركة السياحة وتعقيد آليات الحصول على مساعدات وقروض.
وأدى الربيع العربي إلى تعطل المشروعات وانسحاب معظم المستثمرين الأجانب، فقد انخفض حجم الاستثمارات الأجنبية في المنطقة العربية حسب خبراء مصرفيين بنحو 83 في المئة إلى أقل من 5 مليارات دولار، وتباطأت دورة الإنتاج في عدد من البلدان في شكل ملموس ما أثر في حجم الصادرات، وتراجعت السياحة إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، وتدنت نسبة الإشغال الفندقي في بعض الأوقات إلى أقل من 10 في المئة، ما تسبب في إغلاق بعض الفنادق والمطاعم، وارتفاع البطالة ونقص حاد في الوارد من العملات الأجنبية، إضافة إلى الضرر في القطاعات المعتمدة على السياحة مثل الطيران والعقارات وقطاع الخدمات. ومن غير المتوقع أن تحقق اقتصادات بلدان الربيع العربي نموا اقتصاديا كبيراً في العام الحالي وربما ازدادت الأمور سوءا في حال ظهور احتجاجات واعتصامات من قطاعات إنتاجية معينة والشرائح الفقيرة والمهمشة التي تأمل في نتائج سريعة لتحسين أوضاعها، أو تطور الأمور سلبياً في سورية وانزلاقها إلى حرب أهلية.وهو ما يعطل جهود جذب الاستثمارات من جديد، وتواجه هذه البلدان تراجعا كبيرا في الاحتياطات النقدية ما يشكل ضغطا على العملات الوطنية وتمويل العجز في الموازنات، وتغيير التصنيف الائتماني لها.
وتشير إحصاءات رسمية إلى ارتفاع نسبة البطالة في البلدان العربية عموما إلى 18 في المئة، أي ما يعادل 17 مليون شخص قادر على العمل جلهم من الشباب والخريجين الجامعيين.يخشى كثير من الخبراء من تحول الربيع السياسي العربي إلى خريف اقتصادي يفاقم الخسائر الحالية، خصوصا مع أجواء عدم اليقين في الاقتصادين الأوروبي والأمريكي. والملاحظ أن عجلة الاقتصاد في تونس التي شهدت انتصارا سريعا للثورة واستقرارا سياسياً نسبياً عاودت الدوران بشكل جيد، لكن الاضطرابات في مصر وتغيير الحكومات وعدم الاستقرار تثير المخاوف من احتمال سرعة التعافي الاقتصادي، وفي ليبيا تحتاج البلاد جهودا كبيرا لإعادة بناء ما دمرته الحرب وبناء اقتصاد حديث بعد سنوات من سوء الإدارة والفساد، لكن فوضى السلاح وعدم استتباب الأمن يمكن أن يعطلا النمو الاقتصادي رغم وجود جميع الظروف المواتية من حيث موارد الدولة. وأما في اليمن فيبدو أن الاحتجاجات المستمرة يمكن أن تزيد من معاناة اليمنيين وترمي بأعداد متزايدة منهم في أتون الفقر والجوع، ما ينذر بكارثة انسانية. ولا شك أن الاستقرار في بلدان الربيع العربي سوف يخفف من مخاوف المستثمرين المحليين والأجانب ما يسهم في تطوير الاقتصاد. وتتشابه الظروف التي تعيشها البلدان العربية مع ما عاشته أندونيسيا في نهايات القرن العشرين بعدما أطاحت الانتفاضة الشعبية بالدكتاتور سوهارتو في 1998 بعد أكثر من ثلاثين عاما من حكم البلاد، حينها تراجع الاقتصاد وهرب المستثمرون لكن سرعان ما تبدلت الحالة بعد سنتين مع عودة الهدوء والاستقرار لتسجل أندونيسيا معدلات نمو قاربت خمسة في المئة طوال العقد الماضي بعد تنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية. وفي حال توفر النية فإنه يمكن معالجة مشكلات الفساد الإداري وتعزيز مبادئ الشفافية، ما يفتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية من جديد، ولعل ما يمكن أن يساعد على النمو التوجه إلى التعاون الاقتصادي العربي في المرحلة المقبلة بعد زوال العديد من المشاكل السياسية خصوصا وأن الثورات قربت الشعوب، ولاشك أن بروز الخيار الديموقراطي سوف يعزز الاندماج والتكامل العربي على أساس المصلحة المشتركة في مواجهة التكتلات الاقتصادية الكبرى، كما يسهم انتهاء الدكتاتوريات في وقف نزيف الأدمغة وعودة الكفاءات الوطنية وربما الأهم هو قطع رأس الفساد الذي كلف الاقتصادات العربية خلال نصف قرن ما بين فترة 1950 و2000 أكثر من تريليوني دولار حسب دراسات نشرت قبل الثورات.
