جدة – البلاد
أسهمت المملكة العربية السعودية منذ أكثر من خمسين سنة من أجل تحقيق الاستقرار والسلم في المجتمع الدولي من خلال كل المنظمات التي أسهمت في تأسيسها ورعايتها، كما أنها أسهمت بأضعاف ذلك في مجالات تحقيق التنمية المستديمة لبلدان الجنوب خاصة منذ الطفرة النفطية مع بداية السبعينيات.
وهكذا يظهر البرنامج السعودي للمعونات الخارجية أن حجم هذه المساعدة بلغ خلال العقدين الماضيين ما يفوق سبعين ملياراً وستمائة مليون دولار استفادت منها اثنان وسبعون دولة نامية (15).
دور المملكة في إطار التنظيمات الإقليمـية
تبرز أهمية الدور الذي أدته المملكة في الميدان الاقتصادي إقليمياً ضمن العديد من الدوائر التي تنطلق من الحركية الاندماجية التي أضفتها على العلاقات بين دول الجوار في إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى الرغبة الأكيدة في تفعيل التعاون العربي من خلال إنشاء منطقة تبادل حر وسوق عربية شاملة وأخيراً إلى توجه يرمي إلى تأكيد روح التضامن الإسلامي من خلال العديد من المؤسسات النشيطة وعلى رأسها البنك الإسلامي للتنمية.
وهكذا كانت المملكة حريصة دائماً على تحقيق أعلى درجات التعاون والانسجام في العلاقات بين بلدان الخليج العربي، وحرصت تباعاً على إيفاد البعثات من أجل التوصل إلى صيغة متكاملة لبناء المستقبل دور واضح وحاسم كما أن المملكة أدت دوراً حاسماً في إخراج مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى الوجود عندما وقع رؤساء الدول دستور المنظمة الجديدة، وبغض النظر عن الجوانب السياسية لعمل المنظمة الجديدة فإنها يمكن أن تدرج ضمن المنظمات الإقليمية الاندماجية التي تعطي الأولوية للنشاط الاقتصادي؛ إذ كان من النتائج المباشرة لهذا التأسيس ارتفاع هائل في حجم التبادل التجاري بين المملكة وباقي أعضاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
كما أن المجلس وبدعم من المملكة قام في سنة 1403هـ/1983م بتأسيس مؤسسة الاستثمار الخليجي التي تقوم بالاستثمار في طائفة عريضة من المشروعات الصناعية والزراعية في بلدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
ولا يشك أحد الآن في أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية خطا خطوة جريئة في اتجاه التكامل الإقليمي ، كما أنه نجح في أعماله بصورة تبعث على الإعجاب، ولم يكن ذلك إلا نتيجة حتمية للتجانس بين الأعضاء ، والتزامهم بأصول دينهم وحضارتهم، وكذلك بفضل مصالحهم المشتركة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وأخيراً بفضل الدور الممتاز الذي أدته المملكة العربية السعودية بصفتها الحافظ للتوازن والمرجح كلما دعت ضرورات الانسجام والاستمرار إلى ممارسة ذلك الدور.
دعم قوي لكل المنظمات العربية
وفي إطار الجامعة العربية حرصت المملكة دائماً على تجاوز حالة التجميد التي تعاني منها المؤسسات الاقتصادية العربية ، فدعمت بشكل قوي كل المنظمات الفرعية العربية، ومن بينها وعلى سبيل المثال فقط الهيئة العربية للاستثمار والتنمية في الميدان الزراعي، التي تهدف أساساً إلى المساعدة على تحقيق التنمية الزراعية للعالم العربي، وكذلك الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي الذي يعمل على تمويل مشاريع التنمية الاقتصادية في البلدان العربية.
كما أدت المملكة دوراً أساسياً ضمن اللجان ذات الطبيعة الاقتصادية التابعة للجامعة، وخاصة منها لجنة الخبراء العرب في التعاون ، وكذلك النفط واللجنة الاقتصادية واللجنة الاجتماعية. كما أدت دوراً أساسياً في مداولات المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للجامعة. ونظراً للتأخير الكبير في إنجاز استحقاقات الاندماج العربي الموعود من خلال اتفاقية إنشاء السوق العربية المشتركة فقد حرصت المملكة في سائر اللقاءات العربية على التذكير بتلك الاستحقاقات واضعة رهن إشارة المنظمة ، وكذلك مؤسسات العمل العربي المشترك كل الإمكانات الضرورية لتفعيل نشاطها ودعمه.
فالمملكة ترى أنه لو طبقت الاتفاقيات القائمة تحت مظلة الجامعة العربية لحرر جزء مهم من التجارة العربية البينية، ولكان ذلك التحرير هو الخطوة الأولى لتحقيق منطقة شاسعة للتبادل الحر عبر العالم العربي، كما ترى المملكة أن الترسانة القانونية في هذا المجال قد أصبحت غنية بفضل ما أسهمت به المجالس الوزارية المتخصصة مؤاخذة على بعض البلدان العربية عدم التزامها بتعهداتها الخاصة بتنفيذ تلك الاتفاقيات وتباطؤها في تحرير السلع المتفق عليها مما يشكل عائقاً كبيراً لتحقيق هذا الطموح .
إنشاء سوق عربية كبرى
وقد رأت المملكة في ظل التطورات المرتبطة بالنظام العالمي الجديد ورهانات العولمة والشمولية الناتجة عن تنفيد اتفاقيات الجات أن إنشاء منطقة التبادل الحر العربية أصبح ملحاً وضرورياً وذلك تنفيذاً لقرار القمة العربية التي انعقدت بالقاهرة في سنة 1996م التي دعت إلى تكليف المجلس الاقتصادي والاجتماعي باتخاذ سائر التدابير لإقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.
وهكذا دعمت المملكة إقرار البرنامج التنفيذي لتحقيق هذا المشروع على مدى عشر سنوات تنتهي بإنشاء سوق عربية كبرى.وتجدر الإشارة إلى أن المملكة كانت من بين أولى الدول التي شرعت منذ سنة 1983م في إلغاء التعرفة الجمركية على قوائم السلع العربية المتفق عليها، كما أنها تعهدت صراحة بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل من أجل الالتزام بشكل دقيق بمقتضيات البرنامج التنفيذي قصد الوصول سنة 2007م إلى تنفيذ محكم للجدول التاريخي للاستحقاقات الهادفة إلى إنشاء سوق عربية كبرى. وهكذا يظهر واضحاً أن نظرة المملكة إلى التعاون والتضامن العربي لم تعد تقتصر على سياسة المساعدة التي تبقى نتائجها ظرفية ومحدودة ، بل أصبحت تركز على تحقيق الاندماج العربي بشكل متدرج ينتهي إلى إنشاء سوق مشتركة مما يؤدي إلى زيادة العرض والطلب على السلع والمنتجات العربية، ونمو التجارة العربية، ويسهم في خلق فرص العمل، ونمو الناتج المحلي الإجمالي في الأقطار العربية كافة.
وبالتأكيد فإن تقوية الجبهة العربية على المستوى الاقتصادي سيكون هو الوسيلة المثلى لدعم القدرة التفاوضية للوطن العربي في مواجهة التحديات الخطيرة التي يحملها القرن الحادي والعشرون ، وعلى وجه الخصوص تحديات المنافسة التجارية، وقيام التكتلات الاقتصادية الكبرى ، ومظاهر العولمة الناتجة عن توقيع أوفاق الأورغواي ، وإنشاء المنظمة العالمية للتجارة.
التضامن السياسي لنصرة قضايا الإسلام
أما على المستوى الإسلامي فقد رأت المملكة دائماً أن التضامن السياسي لنصرة قضايا الإسلام والمسلمين وعلى رأسها استعادة القدس الشريف ينبغي أن يكون مقروناً بجهد دؤوب لتحقيق التضامن اقتصادياً عن طريق مساعدات التنمية.وهكذا كانت المملكة ومنذ منتصف السبعينيات في صدارة المتبرعين لأغراض المساعدات الرسمية للتنمية (21)، ولم تتفوق عليها دولياً إلا الولايات المتحدة الأمريكية، على حين بلغت هذه النسبة 4,2 % من الناتج الوطني الإجمالي على حين لم تتجاوز لدى أكثر البلدان الغربية نسبة 0,35% .وقد عملت المملكة في إطار منظمة المؤتمر الإســلامي على إنشاء العديـــد من الأجهزة التي يبقى أهمها البنك الإسلامي للتنمية الذي برهن منذ تأسيسه على فعاليته وقدرته على العمل الجاد والإبداع في استحداث البرامج والوسائل الناجحة لتحقيق أهدافه سواء في مجال إقامة المشاريع الاقتصادية والاجتمــاعية أو الإسهام في تنمية التبادل التجاري والتمويلي وزيادته بين الدول الأعضاء. لقد مضى على إنشاء البنك الإسلامي للتنمية عدة عقود؛ ولذلك اقترحت المملكة نظراً لزيادة عدد الأعضاء و توسع المجال الجغرافي لنشاطه تشكيل لجنة تنظر في ما يمكن إعداده لمواجهة تحديات المستقبل.
وقد أعدت تلك اللجنة تقريراً مفصلاً في الموضوع تضمن العديد من التوصيات فيما يتعلق بالموارد المالية للبنك والتعاون الاقتصادي والأنشطة المتصلة به، كما أوصت اللجنة بالموافقة على الأولويات المبينة في الخطة الإستراتيجية للمدى المتوسط الموضوعة من طرف البنك، وهي خطة تهدف في إطار سياسة الخصخصة – التي أصبحت تشكل النموذج الأمثل لنشاطات الاستثمار – إلى تعزيز تمويل القطاع الخاص وخاصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وذلك من خلال تقديم الدعم إلى المؤسسات الوطنية للتمويل التنموي.
