أبها- مرعي عسيري
عقد بمدينة أبها المؤتمر الثاني للهوية والأدب على مدى يومين وأقيم تزامناً مع هذه المناسبة عدة مناسبات ثقافية منها احتفاء النادي بمناسبة مرور اربعين عاما علي مرحلة التأسيس والاحتفاء بالشخصية الأدبية للاندية الأدبية لعام 2017 وهو الأستاذ احمد مطاعن وتكريم عدد من الرموز الأدبية في مجالات مختلفة وشمل التكريم الدكتور إسماعيل البشري مدير جامعة الجوف والشاعر احمد علي ال مانع والقاص تركي محمد العسيري.
وحظيت هذه المناسبات برعاية وحضور الأمير فيصل بن خالد أمير منطقة عسير وسط حشد أدبي من المملكة ضيوف ومشاركين ومن المغرب والجزائر وتونس واليمن وقد تميزت اللقاءات بدراسات شملت الروايات والقصص التي أصدرها أبناء وبنات عسير وشهدت مداخلات حادة وساخنة خاصة مادار حول رواية إرهابي عشرين للروائي والكاتب عبد الله ثابت.
الهوية بين الاستبطان والتشخصن:
انطلقت أولى جلسات مؤتمر الهوية والأدب بإدارة أ.د محمد بن يحيى أبو ملحة استهلالاً بموضوع الهوية بين الاستبطان والتشخصن الذي قدمه أ.د حسن بن فهد الهويمل ، تناول فيها إشكالية المفهوم وسماتها ومقتضيات شخصنتها ، كما يرى الهويمل أن الهوية في المملكة ليست معقدة .
ثم قدم أ.د صالح الهادي بن رمضان ورقته بموضوع “الهوية وإنشاء السرد” تناول فيها مفهوم الهوية التي يقصد بها “الخطاطة الذهنية” على حد وصفه ، أي المولد الانشائي الذي يبني حركة السرد ويحدد هويته المعرفية ، وكذلك فهم الذات من خلال حركة السرد ، من خلال محاولة لإعادة بناء هوية الذات .
تلى ذلك ورقة “تأملات في الهوية السردية” التي قدمها أ.د محمد الداهي والتي رأى فيها أن الإنسان يتفرد بالخصائص التي تميزه عن غيره ، الدالة على مدى تشبثه بمقوماته الذاتية حرصا على إثبات وجوده من أجل البقاء ، كذلك يرى بأن الذات أمام ثلاث من السبل لإدراك هويتها وهي : هوية موروثة ثم هوية مكتسبة ثم هوية مأمولة والتي تعتبر مجبرة على الاستفادة من المؤثرات الثقافية والاجتماعية لتعزيز كينونتها الداخلية.
عقبها طرحت الورقة الأخيرة التي كانت عن “جدلية الكائن والممكن في بنية الخطاب السردي” التي قدمها أ.د عبد الواسع الحميري وبحث فيها عن بنية الخطاب السردي في منطقة عسير ، وكيف تفاعل هذا الخطاب مع قضايا الواقع الاجتماعي والتاريخي، متضمنا أهم القضايا والأوضاع التي هيمنت في بنية هذا الخطاب. وقد اعتذر د.سعيد مصلح السريحي عن تقديم ورقته التي كان موضوعها “سؤال الهوية ومأزق السرد” لظروف صحية .
الجلسة الثانية :
انطلقت الجلسة الثانية التي رأسها مدير التحرير للشؤون الثقافية بصحيفة الجزيرة السعودية والمستشار الإعلامي د. إبراهيم التركي حيث أشاد بدور النادي وأطلق عليه شيخ الأندية ألأدبية السعودية ، وأكد أن النادي قرأ الهوية كما يجب .
وتحدث أستاذ النقد الأدبي في قسم الدراسات العليا بجامعة أم القرى. أ.د محمد مريسي الحارثي عن ورقته التي هي بعنوان أدبيات الهوية (جبل حالية) ، وقال بأن الرواية حاولت أن تفصل الهوية وفق خطة هندسية محكمة الأبعاد ، وأكد أن الرواية زمنها خمسون سنة وبها خمسون مشهداً ، وأن البداية بدأت بمخالفة التوقع ، حيث بدأت الرواية من الهبوط لا الاقلاع ، وقد خلق الكاتب للقارئ لحظات نشوة وفجائية ، وقد بدأت الرواية بمساءلة البطل للقبر ثم سارت الأحداث بشكل منكوس في بعض الأحداث وهنا ظهرت براعة الكاتب ومهارته ، وقال بأن للرواية 4 أركان قامت عليها وهي الركن الشرعي أو التصوري والركن القومي الوطني والركنو الحضاري المشترك ، وتجلت هذه الأركان في الظهور في بداية الرواية ، وقال غن هناك لقطات إنسانية إسلامية تطرق لها الكاتب في روايته ، وعن ركن القومية العصبية أشار الحارثي إلى أن الكاتب عربي والمجتمع عربي والنص عربي ، وعن العصبية اللغوية قال أنها كانت باهتة نوعاً ما ، حيث أن شخصية الرواية (عمر) لم تضع أثراً بالغاً من حيث اللغة ، وعن الركن الوطني اختزله الكاتب في السورجة والمدينة حيث أنهما الوطن لحركة هذه الرواية ، بغض النظر عن الابعاد الوطنية التي اقتربت من الحس الوطني ومنها الأحداث الوطنية كالحرب الثلاثية وسقوط بغداد وغيرها ، والركن المشترك الحضاري يكاد يكون هامشياً في الرواية إلأ فيما ترجم من ثقافات .
عقبها أشار أستاذ قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الملك سعود أ.د حسين المناصرة في ورقته (الحكي داخل الحكي) أن الحكاية الإطارية وهي الرئيسة في العمل وقد تمثلت في العمل بـ”الموت” ، والنوع الآخر من الحكايات هو الحكايات المبطنة وهي الفرعية ، وألمح إلى أن التداخل السردي من أهم سمات الرواية العربية المعاصرة؛ فهناك روايات كثيرة تتشكل في سياق أساليب سردية تراثية، كالمقامة ، والحكاية ..إلخ. ولعلّ التداخل السردي يسهم في وجود حكايات عديدة في الرواية، من أهمها أسلوب الحكي داخل الحكي، الذي ألفناه في “ألف ليلة وليلة”، و”كليلة ودمنة” ، و”رحلة ابن بطوطة”، و”سيرة سيف بن ذي يزن”.. وغيرها .
أما النماذج الروائية التي تطرق لها المناصرة في ورقته فهي لكل من: إبراهيم مضواح الألمعي، وأحمد أبو دهمان، وعبدالله ثابت، وعبير العلي، ومعدي آل مذهب .
وقال أ.د محمد نجيب العمامي في ورقته ( «الحزام» لأحمد أبو دهمان والهوية المتلبسة ) : أن الهوية في هذا العمل كانت ملتبسة كثيراً ، ووجد في النص مقاطع تعكس شخصيته هو ، والعمل ليس سيرة ذاتية وليس رواية واقعية وإنما مزيج من هذا وذاك ، واقتبس بقوله (أن العمل هو سوء تفاهم بين الكاتب وبين القارئ) ، ويتضح في علم الكاتب حنينه لأرضه حيث نقل الشرق للغرب ، وكذلك تجسيد للشخصية العسيرية في كتابه ، وفي شخصية (الحزام) يتضح تجسيد للماضي والموروث وفيها شخصية متناقضة في بعض النصوص ، وعن الجمع بين الشخصيتين في الموجودة في العمل .
وأكد في ختام ورقته أن النص نجح في مستوى الفن والالتباس في هوية النص لم يعيب العمل ، وأن يجعل من الشخصيتين المتناقضتين رمزاً لهوية ما ، حيث أراد أم يجمع بين الأصالة والمعاصرة .
وقال أستاذ اللسانيات وتحليل الخطاب في جامعة الباحة أ.د صالح الغامدي في ورقته ( “الهوية المقترنة” قراءة سير ذاتية في رسائل محمد أحمد أنور) ، أن هذه الورقة تناقش الكيفية التي تبرز من خلالها ذات الكاتب في الرسائل التي كتبها محمد أحمد أنور ردا على الرسائل التي تلقاها الكاتب من الدكتور غيثان بن جريس حول عدد من الأسئلة المرتبطة بالحركة التعليمية والفكرية في منطقة عسير، ونشرت في كتابه القول المكتوب في تاريخ الجنوب (عسير أنموذجا) ( الرياض: 1426). وعلى الرغم من الموضوعية الظاهرة التي اتسمت بها هذه الرسائل الردّية إلا أن ذاتية الكاتب برزت بطرق متعددة من خلال اختراقها للمكونات الثلاثة الرئيسة لهذه الرسائل : الأماكن، والشخصيات، والمؤسسات، وتشكلها من خلالها وتجذرها فيها .
في حين أشار وكيل جامعة جيزان أ.د حسن حجاب الحازمي في ورقته (السرد واستعادة الهوية) وقال ان الصراع القومي والوطني حضر في عدد من الأعمال الأدبية إلا أنه لم يكن سياسي بل قيمي وطني ، واستعرض الحازمي عدد من الأعمال والهويات الدينية والقبلية ، وتحدث عن ظاهرة سعي تكريس الهوية الجنوبية في الأعمال بالإضافة إلى استعراض الموروث فيها وتسائل هل ذلك محاولات لاستعادة الهوية وطرحها بقوة في الأصعدة الثقافية والفنية ، وتساءل عن ماهي الهوية التي تحاول الرواية استعادتها وهل هي الهوية القديمة أو الهويات الخاصة أو الهويات الحديثة والهويات الأنثوية التي ظهرت في عدد من المثقفين والمثقفات و الأدباء الجنوبيين ، وعن سعي الأعمال الأدبية لاستعادة الهويات فقط أم لتثبيتها في الذاكرة ، أكد أن هناك استعادة للقيم الأدبية والأخلاقية وهناك أعمال طمست هذه الهويات ، ومن المتهم الرئيس في بعثرة الهوية وتشظيها ، وكيف قدمت الرواية رؤيتها الفكرية عبر بنيتها الفنية ؟
من جهته قال الباحث الأكاديمي د.قاسم آل قاسم : أن الرواية كفن سردي تتكئ على المتخيل ؛ وإن كانت تقبس – في بعض الأحايين – من جذوة الواقع؛ إذ الواقع يعد المرجعية لأغلب الأعمال السردية ؛ وهو يمثل المتصور الذهني للأديب المبدع .
ورواية جبل حالية كشفت عن تلك التحولات التي كان يحياها المجتمع السعودي في تلك الحقبة الزمنية التي جسدتها أحداثها ، وشفت عن تلك التعرجات التي مر بها المجتمع أو آنذاك علوا وهبوطا / ارتفاعا وانخفاضا ، وما قد يخرج عن ذلك السياق والنسق من نتوءات التمرد ، وتمظهراته التي تمثلها بعض تمفصلات الرواية .
أما عن الأنساق الثقافية في الرواية فحسب النقد الثقافي : فإن كل نسق ظاهر في الأعمال الأدبية يخفي نسقا مضمرا ؛ هو مدار اشتغالات المبدع وقت الإبداع ؛ وبخاصة عند الانزياحات الأسلوبية اللغوية التي هي عماد الأعمال الأدبية ؛ والتي تشكل أدبية الأدب ، أو ما يسميه بعض الباحثين المغاربة بالإنشائية، وكذلك شعرية الشعر .
الجلسة الثالثة :
بدأت الجلسة الثالثة من جلسات مؤتمر الهوية والأدب التي أدارها أستاذ التعليم العالي بجامعة منوبة بتونس د. ظافر الكناني بورقة للأكاديمي والباحث التونسي الدكتور محمد القاضي بعنوان: “الأنا الآخر في روايات محمد حسن علوان”، تحدث فيها عن استخدام الكاتب في جميع رواياته لضمير المتكلم وفي هذا نوع من الالتفات الى الماضي والحفر في المسار التاريخي للشخصية مشيرا لأن في هذا دليل على اتساع صدر الرواية وانفتاحها عنده على العالم الاخر المختلف. ركز بعدها الباحث على رواية علوان الفائزة مؤخرا بجائزة البوكر “موت صغير”، معتبرا انها تمثل خلاصة شخصية الكاتب الروائية. قارن الباحث خلال ورقته بين أول أعمال الكاتب وآخرها في تماهيمها في استخدام بعض الاستعارات التي تمثل الأنا وتتحدث عنها. كما ذكر الباحث أن في رواية موت صغير حدث تحول خطير في “الأنا والأنا الآخر” في الرواية لانتقاله بين عدة ازمان واحداث قديمة، فجاءت الرواية بحثا جادا عن الهوية والمعرفة.
تلى ذلك ورقة للباحث والأكاديمي الدكتور مصطفى الضبع في ورقة بحثية بعنوان “الهوية المكانية في القصة السعودية القصيرة” استعرض فيها بإيجاز عددا من نماذج القصة القصيرة في منطقة عسير لثلاثة أدباء وهم: إبراهيم شحبي، ابراهيم مضواح وظافر الجبيري. أشار الباحث إلى أن النصوص السردية علامة على تحقيق فعل الثقافة ودلالة على قدرتها على انتاج جمالياته التي تشكل الهوية الفاعلة في تحقيق وجود النص نفسه واستمرار فعله ، وضرب مثال يأن القطار أصبح بصمة واضحة لكثير من الكتاب المصريين الصعيديين لاسيما وأنه شريان حياة ، وتحدث عن الأمكنة السردية في النصوص النثرية وقال بأن الكتاب الثلاثة كتبوا عن الأمثله ولاها ومنها وهذه نقاطا تشاركية .
عقبها تحدث أ.د محمد أبو ملحة (تلبيس الهوية في رواية الإرهابي20) حيث قال : إن الكاتب لم يترك العمل للكاتب أو الناقد ويضع فيه رأيه بل قطع ذلك في مقدمته التي تحدث فيها عن شخصيته (زاهي الجبالي) وصرّح بذلك في مقدمته أن العمل متردد بين الأدبي وبين الرصدي ، وبين العمل والسيرة الذاتية خطوط عريضة تتطابق معها ، والمؤلف ألحق بعمله بعض كتاباته التي نشرها كالمقالات وبعض الأعمال التي وضعها في الإنترنت ، وقد نقول عن هذا العمل أنه (رواية سيرة ذاتية) وهي منهج جديد ظهر قريباً ، وعن هوية شخصية (زاهي) وهي الكتاب العمل فيقول أبو ملحة عنها أنه منكفئ صاحب شتيمة لمجتمعه ولا يتواصل معه وسبب ذلك لوجود إشكالات في شخصيته كالنرجسية والانفعالات والتناقضات وتضخمها وذلك اتضح من خلال العمل كالسباب والشتيمة واللعن في مواضع كثيرة من العمل .
واستطرد بقوله : إن الصدامية مع المجتمع ومع القارئ في العمل مقصودة بسبب جلب الأضواء الإعلامية ، والتمرد موجود في هذه الشخصية في حالتيه سواء التزمت أو عكسها وموقف شخصية البطل هي ردة فعل للمجتمع .
وعن النتائج قال : أن العمل متردد ، وشخصية زاهي متناقضة تنطلق من الاحتقان ضد المجتمع ، ويمارس الاسقاط التاريخي ، واستثمار أحداث 11 سبتمبر ، واختتم بقوله: (أنا أتحدث عن زاهي الجبالي لا عن غيره!!) .
وتناولت كوثر القاضي الأستاذ المشارك للأدب السعودي بكلية اللغة العربية قسم الأدب بجامعة أم القرى في ورقتها (ثنائية الموت والحياة رواية جبل حالية لإبراهيم مضواح الألمعي) وقالت إن الرواية تؤسس لتفاهة الحياة ومحدوديتها من خلال نظرة بطل الرواية (عمر السورجي) للحياة بعد وفاته ، واستعرض الكاتب حياة البطل وسردها بضمير الغائب إلا أن الحوارات الداخلية قليلة ، والاسترجاعات والفترة الزمنية التي تراوحت في العمل كان لها الأثر الكبير في رسم حياة (عمر السورجي) التي تتيح للقارئ تخيّل شخصيته وظهرت بشكل كبير في الرواية ويحلّق كثيراً في المستقبل ونظرات القبر ولحظات الموت ثم يتراجع عن هذه الفكرة ، و يعبر بنا السرد أحداثًا سياسية في العالم كله ، ومجتمعية في القرية ، ويرصد لنا التغييرات التي لا تعني شيئًا في النهاية مادام المصير واحداً ، و تقول القاضي : ليس هناك عجائبية ولا إثارة كبيرة كما قد يُتخَيَل ، لكن عمر السرد يمسك بتلابيب القارئ ولا يتركه حتى يصدّق معه أن بطل القصة ليس هو عمر السورجي ، ولا السورجة ، ولا جبل حالية الذي أصبح مقبرة لأهل القرية بداية بالجدّة “حالية” ، إنه الموت الذي يخيم بلونه الرمادي على الأجواء والأحداث ، إنها الحياة النهائية ونهاية الأحياء .
واستعرضت الموت ورؤية الكاتب الخاصة عبر البطل الذي وظفه في العمل وصور الموت والحياة البرزخية .
ثم تحدث د. سحمي الهاجري في ورقته (سرد الهوية ) وقال إن ثنائية السرد والهوية ثنائية متلازمة في عمق الكينونة والوجود الإنساني , ولا يكاد يخلو منها نص إبداعي بصورة من الصور , وإنْ بتنويعاتٍ مختلفة, ودرجاتٍ متفاوتة. وهذه الثنائية متداخلة أيضاً من الناحية الفنية, لأن هُوية الإنسان بِنية سردية أساساً باعتبارها ذاتاً في الزمن والفارق بين سرد الهوية ووصفها فارق زمني؛ لأن زمنَ الحدث يتوقف في حالة الوصف ، وهذا يناسب الهُوياتِ الجامدة والمنغلقة .
وقد اختار الهاجري رواية (الحزام) كأنموذج تطبيقي للدراسة , فهذه الرواية من روايات سرد الهوية بامتياز , بحركتها المفتوحة على اتجاهين بين زمن الكتابة وزمن الحكاية؛ وسردها لتَشَكُّلِ الهوية, بدايةً من جذورها الضاربة في الطبيعة والحياة والتاريخ والأسطورة, إلى إدراجها – في لحظة الكتابة ومرحلة التلقي- ضمن دائرة الهوية الإنسانية العامة, معززاً بوساطة اللغة الفرنسية, ومروراً بما يقتضيه هذا الوصول من معرفة الآخر, والتعرف عليه, والاعتراف به, والكتابة له, بلغته, وبالأسلوب المناسب لثقافته ، قال أن اللغة الفرنسية لديه أقرب للغة القرية ، وهي تحتفي بالحياة والإنسان والفنون ، حيث لم يجد فارقاً كبيراً بين اللغتين .
قبها وصف الكاتب د. علي الموسى في مداخلة له أن ورقة د. محمد أبو ملحة عن الإرهابي الـ20 مؤدلجة ، وقال : إن ما قاله صاحب الرواية كان موجوداً في مجتمعنا ، وإن هذا العمل صوّر حقيقة ما دار في زمن في هذه البلاد ، والإرهابي الـ20 هو علي الموسى رقم “صفر” ، لأنني مررتُ كغيري بذات التجربة إلا أن أخي الأكبر وضع حداً لذلك قبل أن يتطور ذلك .وقال : (لقد هزمتك الإرهابي الـ20 يا دكتور ) ، وأشار إلى أن (الباب الطارف) و(الحزام) كانتا أيضاً حقيقة يعيشها أهالي المنطقة بتفاصيلها وعانى منها الكثيرون ولا زالوا يتجرعون مراراتها حتى الآن ، في حين رد أبو ملحة بقوله : أنا لم أتحدث عن صاحب العمل عبدالله ثابت ، وإنما تحدث عن شخصية (زاهي الجبالي) وانطلقت في ذلك مما ذكره صاحب العمل والنسق الكتابي الذي عمل عليه وهو (رواية سيرة ذاتية) ، وقال آمل بأن يتقبل الجميع الرأي والرأي الاخر.
الجلسة الاخيرة:
وفي الجلسة الأخيرة التي أدارها د. خالد عباس عدد التجارب الكتابية حيث ابتدأ أ.د زاهر بن عواض الألمعي واستعرض كتابة السيرة الذاتية الموسومة بـ(رحلة الثلاثين عاماً) والتي تعد من أوائل السير الذاتية في المملكة العربية السعودية ، حيث يعرض فيها لوعيه فيها بصفتها سيرة ذاتية تشتمل على بداية الرحلة عام 1370 إلى جيزان ، ثم قصة درس النحو (لم يقم زيد) ، ثم محطة نجران والمعهد العلمي وقصة كروية الأرض ، ثم سفره إلى العراق وقصيدته (تحية بغداد) والهند ، ثم سفره إلى المغرب وقصيدة (أيها المغرب يا رمز الفدا …) ، ثم تناول أ.د حسن النعمي تجربته في الكتابة منذ صغره إيحاءات أمه له ، وجبل طلان الذي شكّل له متكأً في أعماله بالإضافة إلى القصص والحكايا القديمة التي كانت جدته نبعاً لها يأخذ منها ويستسقي الخيالات التي يبحث عنها ، وقريته التي قاسمته همومه وأشجانه ، وتحدث عن هجرة جيرانه وأهله للقرية وتقاعد كبار السن الذي تركوا الكفاح لهذه الأرض ، وقال : رويت حكاية (مانع الأزدي) في عدم تصالحه مع المدينة ، والمرأة الحارثية وتمردها وبحثها عن ذاتها ، وذلك في قصة (آخر ما جاء في التأويل القروي) ، وذكر أنه التحدي الذي واجهه لم يكن إلا التحدي مع نفسه ، وبعد تساؤلات مع نفسه عن العزلة أو المواصلة ، قال أنه قرر عرض ما يكتب على طرف محايد حيث نشر بعض أشعاره في مجلة (اقرأ) ، وأبدى عدم سعادته ببعثته لأمريكا بعد أن أصبح معيداً بجامعة الملك عبدالعزيز .
وألقى ظافر الجبيري بالنيابة التجربة الكتابية للقاص والباحث تركي العسيري ، حيث قال :إن البدايات في الكتابة كانت في المرحلة المتوسطة ، حيث كان شغوفاً بقراءة القصص والصحف مما أهله لأن يكون مراسلاً لإحدى الصحف المحلية ، ولم يكن حينها قد تجاوز السابعة عشرة من عمره ، ثم تدرج في الصحافة وتنقل بين صحيفة وأخرى حتى أصبح كاتب مقالة و زاوية في الصحف المحلية والخليجية ، وألمح إلى أنه قد بدأ بكتابة القصيدة قبل القصة إلا أنه لم يجد نفسه فيها فكتب القصة ووجد نفسه فيها ، حيث تأثر بالعديد من الأدباء كيحيى حقي وسهيل إدريس والطيب صالح ، وغيرهم .
وقال إن أوائل القصص كانت في أواخر التسعينات الهجرية والتي نشرت في إحدى الصحف بعنوان (أحزان ابن حداد) وهي قصة واقعية وهي معاناة لزميل له أثقلت كاهله نظرات المجتمع ، ثم جمع العسيري كتاباته في (من أوراق جمّاح السرية) والتي صدرت قبل ربع قرن تقريباً ، ولديه (بيشة .. كما عرفتها) ولديه أعمال مخطوطة ، وقد لاقت قصصه عددا من الأوراق النقدية التي دعمت مسيرته نشرت في عدد من الصحف ، ضمها الدكتور محمد صالح الشطي في كتابه (القصة السعودية الحديثة) ، وأثنى العسيري في سرد سيرته على الاحتفاء الذي لقيه من أدبي ابها والقائمين عليه ومن عدد من المثقفين الذين دعموه وحفزوه ، وأبدى العسيري حنينه إلى كتابة السرد والقصص بعد هذا الانقطاع ، لاسيما وأن الساحة فقيرة ولم تعد كما يعرفها وبعد أن دخل هذه الساحة الكثير ممن لا يتقن هذه الموهبة ، واختتم بشكره للقائمين على هذا النادي والمؤتمر .
ثم تناول الكاتب المسرحي عبدالله هادي السلمي تجربته السردية المسرحية حيث قال : أعتقد أن المسرح السعودي مرتبط بالهوية وذلك بعد مشاهدتي للعروض الواقعية والتجريبية ، فنجدها تظهر في النص والديكور أو الملابس أو الاكسسوار أو غيره .
وأضاف أن المسرح السعودي علاقته ببيئته علاقة متجذرة ، وهي لا تكاد تخرج عن المسرح التربوي ، وعن البدايات : إن البداية كانت 1398 في مدرسته الابتدائية ، حينما كتب نصاً مسرحياً عن ذلك وقام الطلاب بتطبيقه ، وألمح السلمي إلى أن موجة التشدد كانت سبباً في توقف الكتابات المسرحية ، وعاد العمل 1410 تقريباً للمدارس التي عمل فيها السلمي ، وقال بأن عام 1417هـ كان وقتها قد تعاقدت وزارة التربية والتعليم مع مشرفين مسرحيين من عدة دول عربية ، وقال بأن نصيب محافظة رجال ألمع حينها كان مع المخرج المسرحي أحمد فؤاد سليم من مصر حيث أعجب بالأعمال التي قدمها السلمي وأشاد بها ، وتم عقد لقاءات وورش عمل مكثفة مع المشرفين لكتابة النصوص المسرحية ومسرحة المناهج وفنون الإلقاء وغيرها .
وقال بأن العديد من المشرفين يرون أن المسرح مجرد تهريج ، بينما البعض يرى أن المسرح عالة ولا فائدة منه ، في حين أن البقية لم تطور أدواتها للكتابة المسرحية رغم وجود بوادر لديهم في كتابة النصوص المسرحية .
واختتم السلمي : في تجربته في المسرح الجماهيري أن له مشاركتين على مسرح المفتاحة بأبها عام 1418هـ بعنوان (امحليف) وقد قوبل هذا النص بمعارضة كبيرة قبل عرضه بساعات إلا أن أمير عسير حينها الأمير خالد الفيصل قال : (هذه الليلة وُلدَ المسرح في عسير) ، أما المشاركة الثانية كانت 1425هـ بحضور الأمير فيصل بن خالد بن عبدالعزيز أمير المنطقة.
واختتمت الجلسة باستعراض الأديب إبراهيم شحبي تجربته حيث أشار إلى أنه بدأ الكتابة القصصية عام 1401 هـ ونشر العديد من النصوص في الصحافة المحلية .
وأضاف : نشرت أول مجموعة قصصية بعنوان نزفُ في ذاكرة رجل عام 1417هـ ثم مجموعة (ما وراء الأنفاس ) عام 1420ه ، ثم أصدر نادي أبها الأدبي مجموعة ( حواف تكتنز حُمرة ) عام 1423ه ، وألمح إلى أنه بدأ في فن الرواية عام 1419 هـ وأصدر ثلاث روايات ، وهي : أنثى تشطر القبيلة عام 1423 هـ ، السقوط 1424 هـ ، حدائق النفط عام 1433ه .
هذا وقد اصدر المؤتمر الذي انعقد على مدى يومين عددا من التوصيات التي صاغتها لجنة الصياغة وجاءت علي النحو التالي:برعاية كريمة من الأمير / فيصل بن خالد بن عبدالعزيز أمير منطقة عسير، انعقد في مدينة أبها بالمملكة العربية السعودية على امتداد الأيام من (7-8 شعبان 1438 هـ الموافق 3-4 مايو 2017 م) مؤتمر نادي أبها الأدبي ( الهوية والأدب في دورته الثانية ) الذي اختُص بالسرد في منطقة عسير.
وقد اشتمل الملتقى على سبع جلسات علمية قٌدمت أثناءها ثلاث وثلاثون ورقة علمية وشهادات إبداعية، تناولت قضية الهوية في علاقتها بالأدب السردي في منطقة عسير؛ بصفتها مكونا رئيسا من مكونات الوطن وهويته. وشارك في أعمال المؤتمر باحثون ونقاد وأدباء من المملكة العربية السعودية ومصر وتونس والمغرب والجزائر وفلسطين والأردن والسودان واليمن.
وقد تناول الباحثون بأوراقهم العلمية قضايا نظرية وتطبيقية استوعبت جملة من قضايا الهوية في المنجر السردي في أجناسه المختلفة: الرواية والقصة والمسرح والسيرة الذاتية وأدب الرحلات.
وإن المشاركين في أعمال مؤتمر الهوية والأدب الثاني إذ يثمنون لصاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن خالد بن عبدالعزيز أمير منطقة عسير رعايته الكريمة لأعمال المؤتمر؛ ليرفعون إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده وولي ولي عهده، وللأسرة المالكة أحر التعازي وبالغ المواساة في وفاة صاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن عبدالعزيز رئيس هيئة البيعة؛ سائلين الله تعالى للفقيد المغفرة والرحمة، وللأسرة المالكة الكريمة، وللشعب السعودي الوفي الصبر الجميل. إنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي ضوء ما قُدم من أوراق علمية، وشهادات وتجارب إبداعية؛ فقد أوصى المشاركون في المؤتمر بعدد من التوصيات:
رفع برقية عزاء باسمهم إلى مقام خادم الحرمين الشريفين في وفاة أخيه صحب السمو الأمير مشعل بن عبد العزيز – رئيس هيئة البيعة – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته- إن ثوابت الهوية الوطنية، القائمة على (الدين الإسلامي، واللغة العربية، والثوابت الوطنية) هي الثوابت التي يجب الحفاظ عليها والالتفاف حولها وصونها من أية اختراقات- الانطلاق من هذه الهوية الجامعة لبناء مستقبل واعد بالتنمية والاستقرار، والتآخي بين مكونات المجتمع وشرائحه المختلفة – تشجيع الأعمال الإبداعية والدراسات النقدية، التي تنطلق من ثوابت الهوية لترسيخ ثقافة التسامح والانفتاح على الرؤى والأفكار؛ بما يعزز اللحمة الوطنية والمشاركة في مواجهة تحديات العصر.
إن الانطلاق من ثوابت الهوية لا يقيد المبدع، ولا يحول دون حرية الأديب بل يفتح أمامه آفاق الإبداع والتميز -تأكيد أهمية عقد هذا المؤتمر، الذي يحرر العلاقة بين الهوية والأدب بصفة دورية كل عامين – الدعوة إلى إنشاء جائزة وطنية تقدر الأعمال الإبداعية، التي تستلهم مقومات الهوية الوطنية، وتجسدها في صورة جمالية.
وفي الختام، يتقدم المشاركون في المؤتمر بجزيل الشكر لوزارة الثقافة والإعلام، ولسعادة المشرف على المؤتمر، ولسائر اللجان العاملة فيه، وأعضاء مجلس إدارة نادي أبها الأدبي، لما قدموه من خدمة أدبية ومعرفية لأدب منطقة عسير عامة ولتجلياته السردية بصفة خاصة، كما يشكرون لهم ما وجدوه من حسن الضيافة وكرم الوفادة، كما يشكرون كل من أسهم بجهد أو حوار أو حضور في فعاليات هذا المؤتمر..
(البلاد) ترصد بالكلمة والصورة احتفالات نادي أبها .. أدباء ومفكرون ونقاد يثرون جلسات مؤتمر الهوية والأدب
