* كل طرق الاستثمار المتاحة تؤدي الى قمة النجاح، بهذه النتيجة يمكن ان نخرج من قراءة العلاقات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية بين المملكة والسودان، فهناك جذور ضاربة في اعماق التبادل التجاري بين البلدين تمتد لتمنح رجال المال والاعمال فرص الاستثمار المشترك بما يحقق مصالح الجانبين.
* هذا هو الواقع المفترض لكن ما نلمسه كمتابعين للحراك الاستثماري بين البلدين لم يصل بعد الى حد المأمول ولا يليق بحجم العلاقة المتينة التي تربط الشقيقين ولا يتناسب ايضا مع الجهود المبذولة من الحكومتين وخاصة جهود وزير الاستثمار السوداني الدكتور مصطفى عثمان الذي تولى حقيبة تنمية الاستثمار في السودان ولا يزال يبذل جهودا رائعة في هذا الاتجاه لكن التحديات لا تزال صعبة وتحتاج الى المزيد من التسهيلات وحل الاشكالات وازالة العوائق، فالسودان سلة الغذاء العالم العربي وارض خصبة للاستثمار بشتى انواعه كما انها البوابة المباشرة للقارة السوداء (افريقيا) وحدودها الجغرافية تمتد لالاف الاميال مع عدد كبير من الدول الافريقية، كل هذه الحيثيات تمثل اغراءات قوية وجاذبة لكنها في نفس الوقت تحتاج الى بعض المتطلبات التي لو تحققت لاختصرت الكثير وفتحت كل الابواب وازالت كل العوائق ودشنت بذلك مشاريع كبرى تدر خيرا على المستثمر السوداني الذي يتميز بقدرة عجيبة على اقتناص الفرص وتطوير المشروعات وتحقيق الارباح في وقت قياسي.
ولدينا في ذلك امثلة عديدة كرجل الاعمال السعودي محفوظ سالم بن محفوظ الذي كان ولا يزال يحمل هم تنمية الصادرات السعودية ويعمل بالتنسيق مع الغرف السعودية الى ايصال الصناعة السعودية لفريقيا عبر بوابة السودان، وقد صرف الكثير في اقامة العديد من المعارض التجارية للمنتجات الوطنية التي تطرحها مصانع سعودية نجحت في تقديم منتجاتها كمنافس قوي لارقى المنتجات العربية والعالمية، ولعلنا نذكر معرض المنتجات السعودية الذي اقيم في السودان قبل اكثر من عشرين عاما وشارك فيه 200 مصنع سعودي، ورغم نبل المقاصد الا ان بعض الذين لا يسرهم نجاح مثل هذه المشاريع الاستثمارية عملوا على عرقلة هذا المشروع الرائد فتم ايقاف المعرض وصودرت البضائع حتى تلفت وترتب عليها خسائر كبيرة للمنظم وللمصانع المشاركة، ومع ذلك اهتمت الغرفة التجارية والادارات القانونية فيها وسفارة المملكة في السودان وكبار المسؤولين بها حتى تمت الاستجابة من النائب الاول ووجه بحل هذه القضية بما يضمن حقوق الجهات المتضررة، لكن القرار لم ينفذ وتم بعدها احالة القضية للتحكيم وصدر قرار التحكيم الذي قضى لصالح الجهات المتضررة لكن مرة اخرى لم يتم تنفيذ القرار وبعدها جاء التدخل من الجهات العليا في حكومة السودان بواسطة الدكتور مصطفى عثمان وزير الاستثمار فصدر توجيه من رئاسة الجمهورية بالتسوية الفورية ورفع الضرر عن اصحاب الحق الذين يقفون الآن موقف المنتظر لتنفيذ التوجيهات حتى يتم اغلاق هذه القضية التي تعد من اكثر القضايا الاستثمارية التي تركت اثارا سلبية نتيجة تخوف العديد من المستثمرين السعوديين على استثماراتهم ومشاريعهم في السودان، وتلافياً لتكرار تدخل بعض الجهات في عرقلة تنفيذ القرارات مرة اخرى حتى لا يتردد البعض في الدخول بمشروعات جديدة هناك خشية ان يتعرضوا لنفس المشكلة، علماً بأن هذه القضية تمس جانباً مهما في حراك الصادرات السعودية نحو الاسواق الخارجية، وكما ان المملكة تستقبل الصادرات السودانية بترحاب كبير وتقدم لها تسهيلات عديدة وبالتالي يفترض ان تلقى الصادرات السعودية الى السودان نفس الترحاب والتسهيلات والضمانات ليرتفع معدل التبادل التجاري ويتسع نطاق الاستثمار المنشود.
* وبالرغم من كل هذا فإن الرحلات المكوكية التي يقوم بها وزير الاستثمار السوداني الدكتور مصطفى عثمان بين عدد من الدول الخليجية بشكل عام والمملكة العربية السعودية بصفة خاصة تحمل في طياتها رسالة عريضة مفادها ان ما كان يحدث في الماضي من عقبات وعراقيل تهدد الاستثمار السعودي في السودان لم يعد لها وجود في ظل قانون الاستثمار الجديد وبقية القوانين الصادرة من الدولة والتي تستهدف في مجملها حفظ حقوق المستثمرين العرب وتقديم كافة التسهيلات لهم ودعمهم لضمان نجاح مشروعاتهم، وفي يقيني ان المرحلة الحالية هي عنق الزجاجة التي سيكتب ميلاد مناخ اقتصادي مستقر وجاذب ومثمر ومطمئن يجتذب المستثمر السعودي ويمد جسور التعاون المشترك بما يحقق مصالح البلدين.
ابراهيم حسن الغامدي – جدة
الاستثمار السعودي في السودان .. الواقع والمأمول
