الأرشيف دولية

الاستبداد والتخلف العربي

محمد خليفة
الإنسان هو المحور الذي ترتكز عليه أية حضارة، ولذلك صار لكل أمة حضارة تنسب إلى مجموع أفرادها بالمعنى الإنساني. وبهذه النسبة جرى إطلاق اسم الأمة على الحضارة التي ينتمي إليها صانعوها، فالناس في أي أمة مأخوذون بالأحكام المسبقة التي تبرمجوا بها بالتنشئة، ويظلون أسرى لها مهما كانت ظالمة وخاطئة وبعيدة عن التحقق.فمن المعروف أن الناس تتشكل عقولهم وعواطفهم بما نشأوا عليه، وهم في الغالب لا يراجعون هذا التشكل، ولا يتشككون فيه، وهذه من أكبر معضلات المجتمعات العربية التي تخنق الحقائق، لأن الأهواء المتشكلة تسيطر على العاطفة والروابط الروحية المحضة.
فالأمة العربية ذات وجود روحي يكاد يكون مطلقاً في روحانيته، تنظمه روح الفراغية فوق الوعي، وتسيطر من خلال هذه الدوائر المعتمة، ويدفع ثمن الانعتاق منها الإنسان العربي اليوم ثمار الاستبداد. لذلك كشفت رياح التغيير التي هبّت على عالمنا العربي كوارث ادخرت لدعم الاستبداد وكشف قابلية الفظاعة على الرضوخ واستمراء الفساد.
هذه الدائرة المعتمة يدفع الشعب العربي ثمن الانعتاق منها بسبب استمراء القمع والظلم الجاثمين منذ أمد بعيد نتيجة الظاهرة العربية المدمرة، التي ورثها الإنسان العربي نتاج القيم التي اختزلت هذا التراكم إلى معطيات عوامل الجمود العقلي والاجتماعي، وإشكاليات السلطة الدكتاتورية في العالم العربي المعاصر، من نظرات بعيدة وعميقة على واقع الاختلافات في تاريخنا الفكري- السياسي وما يحيطها الآن من مأثورات فكروية تستنهض بها قوى تصارعية، كأن حاضر هذه الأمة مجرد نسخة من ماضٍ قريب خاوٍ من كل مسألة عقدية، وتلاحق سلاسل اعتقادية اعتراضية وأسباب مذهبية.إن ما يحدث الآن من نزعات التدمير والتخريب الهمجي في بعض الدول العربية التي اندلعت فيها انتفاضات وثورات شعبية يؤكد أن ثمة قابلية للاستبداد لدى قسط كبير من الشعوب العربية، فالطاغية لا يمارس البطش والقمع بنفسه وإنما بأيدي شرذمة من جنس هذا الشعب، ولا يطلق الطاغية النار بيده على المتظاهرين العزل لقتلهم وإرهاب الآخرين، بينما يقوم التابعون الذين يتفهمون رغبته ويمارسون مهمة القتل والتعذيب والتدمير بإخلاص وإتقان، كأنه شيء عام ومألوف بينهم، لأن ثمة استعدادات نفسية فردية وجماعية للانهماك في دائرة النظام القمعي- تغذيها شهوات تبادل المصالح- من أجل تمكين المستبد من ترسيخ هالته الأسطورية ليس هذا فحسب، فهذه الهالة تسبق الحدث وتضمن بقاءه وإن كان مريضاً أو مجنوناً.
وأمام كل هذه الظواهر يتفكر العقل العربي حتى في صمته وفي كبته، ويتعاطى الظن والكذب في ثقافته السلطوية، ويتوه بين الحق والظن معاً، ثم ينتج معاني فاسدة أخلاقية لا أساس لها في الواقع، فتراه مع ذلك يرفعها إلى مصاف الحقائق الاجتماعية الأخلاقياً.
ولهذا السبب ظهر الاستبداد في بعض البلدان العربية، وهو أسوأ أنواع الطغيان والاستبداد وأكثرها فتكاً بالإنسان العربي المحكوم بالعزلة والاغتراب والاستبداد الذي سيبقى داء معطلاً لحركة التقدم والتطور، وانحطاطاً يسود الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية، وهو التخلف ودوامة التفليس والفوضوية.لذلك أفرزت الانتفاضات والتغيرات العربية نظماً أشد دكتاتورية وأمضى استبداداً من تلك التي ضحت بدمائها في محاربتها واقتلاعها، فأحالت الثائر العربي ليكون كالمنبت الذي لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع، كنبات البحر يلمح إلى الظلمات التي يحيا فيها هؤلاء الشباب الذين تحولوا إلى أرواح ضائعة كالأعشاب البحرية، ما أرخصها وما أكثرها في بحر الحياة.إنها معضلات وإشكاليات الحياة العربية التي تفرز الأزمات تلو الأزمات، فالأنفاس اليوم تلهث والأعصاب تتمزق، والجميع يحاول أن يستبق عجلة الزمن، ليستطلع دموية المأساة وهول الكوارث القادمة حتى تنتهي هذه الأمة نحو الموت وكأس النار في عتمة القبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *