المنبر

الاحتساب في معرض الكتاب .. فكر شائك وهيمنة في الرأي

منذ أن تأسست المملكة العربية السعودية على يد الموحد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود طيب الله ثراه ، قد اكتسبت التنظيمات الإدارية و التشريعية أهمية بالغة في جميع الأجهزة ومؤسسات الدولة وأنيطت بها مهام جسيمة لها أهميتها كالتنظيمات الإدارية والهياكل التنظيمية ودراسة الإجراءات والعمل على تبسيطها وتضمين مفاهيمها الإدارية من خلال توزيع القوة العاملة والتدريب والتهيئة المكتبية والميدانية ولم تكن تلك التنظيمات والتشريعات مستوحاة من فكر بيروقراطي أو فكر قمعي يوظف أعماله لصالح الدولة ويرعى مصالحها من حيث الاهتمام باستمرار السيادة دون النظر في الحياة الاجتماعية كالاهتمام بالمواطن و توفير سبل العيش الكريمة والرفاهية بل أن كل التنظيمات الإدارية و السلطة التشريعية أساسها القرآن و السنة استوحتها في ظل الشرعية و بنت وعيها و سلطتها الإدارية من اخلاقيات القرآن و السنة المطهرة و استطاعت من ذلك العهد الذي تعاقب فيه أبناء الملك عبد العزيز على الملك أن تتسم تلك السلطة بالتوازن في كل مناحي الحياة وبنتها و أسستها في ظل القراءة الفكرية الصحيحة لعقول شرائح المجتمع بعيداً عن النمطية بالتعامل بموجب السلطة بل وضعت تمهيدا روحانيا من منطلق كتاب الله وسنة نبيه في علاج القضايا الاجتماعية الواضحة منها والشائكة وأسست على هذا المبدأ أجهزة الوزارات وما يتبعها من تنظيمات إدارية وسلطات تشريعية و قضائية و أسست نظام الاجراءات الجزائية و المرافعات الشرعية و الحق بها نظام المحاماة الذي يعمل على مراقبة الحقوق الفردية و الجماعية و يعمل على استرداد الحقوق في حالة حدوث خلل في سير الأحكام الإدارية و القضائية و حافظت من هذا المنطلق على شعيرة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر انطلاقاً من قوله تعالى : ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ? وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). و أسس هذا الجهاز في ظل الشرعية و أعطى اهتماماً بالغاً من الدولة في استمراره وتطويره من فكرة التعايش الوسطي للحياة الاجتماعية بمختلف الشرائح و المبادئ و التصدي لمسائل الخلافات و الاخلاقيات المجتمعية بنشر الثقافة أولاً ومن ثم تطبيق الظلال الاسلامي بالتربية الصحيحة و المفهوم المتأصل و ترتيب أدوار و أعمال هذا الجهاز حتى اصبح هذا الجهاز منظم يباشر كل ما يقع في دائرة اختصاصه بموجب اللوائح و الانظمة و كل من ينتمي إلى هذا الجهاز من موظفين يعاملون في النظام بأنهم رجال أمن تحكمهم أنظمة و لوائح ، فمن الموظفين من يباشرون أعمالهم و قضاياهم بكل دقة و موضوعية يراعون من خلال تطبيق الأنظمة التي شرعت من أجل ضبط هذه القضايا ولهم جهود ملموسة و هم من أعطوا هذا الجهاز الوجه الحسن في المجتمع ولكن في حقيقة الأمر بأن من يشوهون هذا الجهاز هم الأكثر ، يحملون فكرا معقدا وشائكا ويهيمنون على المجتمعات ويصورون كل من حولهم من زاوية واحدة ، ليس لهم نصيب من الالتزام الديني سوى المظهر لا يعرفون طريق الوسطية اختلقوا التشدد من منابر فكرية معقدة اختلطت لديهم المسائل حتى أصبحوا ينكرون و يقرون من مبدأ أهوائهم و اتخذوا الاحتساب ذريعة في التدخل في كل أحوال المجتمع و يجعلون من كل شيء قضية و تضخم حتى تصبح حديث المجتمع سواء سياسية أو دينية أو اجتماعية أو إعلامية و كأنهم من يشرعون الأنظمة في الدولة ولهم الحق في الإنكار و الإقرار و العقاب و يتجاوزون ربما يصل الأمر على تصفية حسابات من مبدأ الاحتساب و نحن ان كتبنا أو وصفنا لا يعني الدخول في الذمم ولكن حال الشارع المجتمعي يتكلم ، فكم من أخطاء لهم رصدت و تجاوزات وهيمنة على أفراد المجتمع و كأنهم وجدوا من أجل مراقبة و متابعة الناس في كل أمور حياتهم ومسائلهم اليومية ولعل معرض الكتاب كل عام بموعد مع هؤلاء المحتسبين فقد تحول هذا المعرض من مكان لتبادل الثقافات المختلفة و الإطلاع على كل جديد من الكتب إلى مكان للصراعات و الانتقادات ( بعيون محتسب ) فما حدث منهم من تجاوزات و هجوم على الدكتور معجب الزهراني في رأيه و انتقاده الذي أبداه في تحطيم التماثيل و الاثار في العراق من قبل ( داعش ) بأنه اعتداء على الارث التاريخي لاثار العراق الأمر الذي جعلهم يعتبرون أن تحطيم الأصنام قد كان من أهم أحداث الدعوة المحمدية في مكة و لم يفرقوا بين اختلاف الحدثين الديني و التاريخي و كذلك على اختلاف المفهومين بين الدعوة في صدر الإسلام و الدعوة الداعشية و بين مفهوم الأصنام صنعت آنذاك من أجل عبادتها و التماثيل الرمزية التي تعبر عن حضارة دولة تعاقبت عليها دول و مماليك في عبق التاريخ ومر الازمنة قبل ثلاثة الاف سنة إلا أنه تم الربط بين الحدثيين بنظرة قاصرة جمعت بين الشرعية و التاريخية و حولت آثار تلك الدولة إلى أصنام تعبد وجب تحطيمها فالمسألة من وجهة نظري قصور في الثقافة التاريخية والأدبية لدى المحتسبين و ليس في النظرة الشرعية كما يعتقدون ، فالكثير منهم ربما ليس لهم اطلاع على الثقافات المختلفة القديم منها و المعاصرة ، و أنا هنا لست ضد أو مع ولكن لكل إنسان سواء محتسب أو غير حق الاعتراض على أي فكرة أو حدث ولكن بالطرق السلمية و الحضارية و إظهار وجهة النظر دون الجنوح إلى العنف و التهيج خاصة في مساحات قد تقبل الأخذ و الرد في حوارية عامة مع كل اطياف المجتمع الفكرية و الثقافية و الدينية حول أي موضوع سواء كان دينياً أو اجتماعياً دون الخروج عن أدبيات الحوار حتى و إن كانت هنالك تجاوزات من الطرف المتحدث يجب إقناعه و الخروج بكسبه على الأقل.
لذا أرى في ظل ظهور هذه المسائل الشائكة و المعقدة في المجتمع التي تحتاج إلى نظرة ثاقبة في التأييد أو الإنكار أو حتى الانتقاد أن يستحدث جهاز للاحتساب يتولى النظر في هذه المسائل و توكل إليه مهمة فرز مخرجات التنوير و التكوين المجتمعي من خلال ثقافته المتعددة و عاداته و تقاليده و نتاجه العلمي و الاجتماعي و الفني و الادبي و يخلق من خلاله خط متصل و متوازن يحافظ على مبادئ الشريعة و يقبل الأخطاء المجتمعية إن وجدت و يعالجها من مبدأ فتح باب الحوار و كسب الآخر و جذب المجتمع وليس نفوره.
قال الله تعالى : (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )
أما ما يخص جهاز الامر بالمعروف و النهي عن المنكر أرى فصل الاحتساب عن هذا الجهاز و إعادة النظر في تحديد الاختصاص في الضبط و أن يكون بموجب نظام الاجراءات الجزائية و يعاملون في النظام كرجال ضبط كالدوريات الامنية و حرس الحدود و المساواة مع رجال الامن في النظام بالمجالس التأديبية كالعقاب و الفصل و النقل والاهم من ذلك معالجة القصور في التوظيف في هذا الجهاز و يجب التعامل مع من يلتحق بهذا الجهاز كأي وظيفة أمنية في الدولة تحكمه ضوابط و تشريعات وعدم الاعتماد على المظهر العام للملتحق بهذه الوظيفة وأن يكون الالتحاق الوظيفي بهذا الجهاز مفتوح لكل افراد وشرائح المجتمع بضوابط وظيفية وليست نظرة شرعية قاصرة ربما تعطي فرصة للمندسين التزين بلباس هذا الجهاز من أجل هدم صوره و تشويه اعماله .

عبد العزيز حيد الزهراني
عمدة مدائن الفهد بجدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *