علي محمد الحسون
** هناك أناس لا تملك وأنت تقترب منهم إلا المزيد من الاقتراب أكثر وأكثر لذلك الاطمئنان الذي يغشاك وأنت ملتصق به لما يملكه من تهذيب وخفض في الصوت انه واحد من الذين يشعرونك بما يملكون من شفافية صادقة في تعاملهم وتهذيباً لفظياً في خطابهم.. وكلاماً أقرب الى الهمس منه رفعاً للصوت.. إنه واحد من هؤلاء الذين يذهبون بك الى طرق الوضوح والسمت والهدوء.. فهو من أشد الكارهين لرفع الصوت مهما كان الموقف الذي يمر به من قسوة.. فهو إنسان يعطي من يقف أمامه كل حلول الصلح قبل أن يتخذ منه موقفاً صارماً كان لابد من اتخاذه.
له قوة التحمل أمام الصعاب فهو لا يبوح بما يعاني منه.. فكم من مرة تعرض لتلك المواقف من أناس اعطاهم كل عفويته وكل سماحته فلم يكونوا في مثل تلك العفوية أو تلك السماحة فخسروه قبل أن يخسرهم.
تراه في عمله صادقاً يعطيه كل اخلاصه في اسلوب سهل ولكنه شديد الدقة.. لا تفوته بعض الملاحظات ويتعامل معها بحضارة ادارية غاية في الاحترافية، رأيته لأول مرة وجهاً لوجه في ذلك المكتب في مطابع الشربتلي كيلو خمسة طريق مكة المكرمة حيث كانت تطبع جريدة المدينة حاسر الرأس في يده قلماً أخضراً يؤشر على ما يعرض عليه من مواد للنشر فكان في اشارته في غاية التهذيب فإذا ما كان موضوعاً ثقافياً يشرحه بهذه العبارة.. لأخي أبي السباع تحياتي وإذا كان رياضياً.. للعزيز أبي أيمن – القوة.. وإذا كان سياسياً لأبي أنس.. العزيز.. كان هؤلاء بعض من كان يعمل تحت إدارته.. سباعي عثمان.. هاشم عبده هاشم.. أحمد محمد محمود وكان هناك ذلك الصحفي القادم لتوه الى عالم الشهرة بقدراته الذاتية الصحفية فكان ينظر اليه نظر الواثق انه امام موهبة صحفية لابد من رعايتها انه علي خالد الغامدي.. الذي اتى بعد ذلك الصحفي – النمر – علي القرعاوي الذي خطفه الموت مبكراً والذي أطلق على الاستاذ لقب “الجنرال”.
كان بجانبه في تلك الغرفة رئيس التحرير السيد عثمان حافظ.. ممسكاً بمرسامه الرصاص.. عند دخولي دفع بالورقة التي كان يكتب فيها مستأذناً في الخروج قائلاً: يا صلاح أكمل الموضوع.
كان الاستاذ محمد صلاح الدين دينمو تحرير جريدة المدينة أيامها بجانبه ذلك المذياع الذي كان يقلب في مؤشره باحثاً عن اذاعة (BBC).
عندما التفت الي بكل وجهه.. أحسست لحظتها أنني أمام انسان خبر الدنيا.. فراح يحدثني عن بعض اسرار المهنة وأنا الشاب الذي لم يتخط العشرين من العمر من خلال حوارنا كأنني لفت نظره.. فراح ينظر الي في دهشة كانت واضحة على تقاسيم وجهه ازدادت عندما راح يقلب في موضوع كنت قد اعددته وقدمته له وكأنه اعجب به عندما أشر عليه بقلمه الأخضر لحبيبنا أبو السباع.
ومن يومها ارتبطت به بوثاق التقدير والاعزاز والاعجاب.. بل ولصرامته الناعمة في عمله.. انه واحد من أولئك الذين لا يخلطون الأشياء كانت له طريقته الخاصة في مسيرته الملتزمة ولكنها غير “المتحجرة” فهو يهتم بالفن اهتمامه بالسياسة.. ويهتم بالأدب اهتمامه بالرياضة وكثير الاهتمام بنشاطات المجتمع بكل أنواعها كان صاحب مدرسة في عناوين الصفحة الأولى بأن لا يتعدى العنوان على أكثر من أربع كلمات محكمة مشوقة ومحرضة على قراءة الخبر يؤمن باعطاء كل من حوله حرية الحركة ليبدع دون تدخل منه.. لهذا خلق طاقات صحفية بجانبه كانوا امتداداً لمدرسته الصحفية الناجحة.
رحم الله أبا عمرو الاستاذ الكبير محمد صلاح الدين الذي كان ذهابه الى لقاء ربه ورحمته لاصراره على تحمل الثقال من الأمور دون البوح بها لآخرين فضغطت عليه فكان ضحيتها وتلك ميزة الصابرين.
الأستاذ الجنرال الحاذق صاحب المدرسة الصحفية اللافتة
