جدة – البلاد :
تحتل المملكة العربية السعودية مكانة مهمة في التنظيم الدولي الحديــث. فعلى الصعيد الإقليمي كانت المملكة من بين البلدان القليلة التي أسهمت في تأسيس جامعة الدول العربية مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. كما أنها سعت بعد دعوة العاهل المغربي الملك الحسن الثاني إلى عقد مؤتمر إسلامي لتدارس نتائج إحراق المسجد الأقصى سنة 1969م إلى التمسك بإضفاء صبغة الدوام والاستمرارية على هذه المبادرة، وذلك باستضافة مقر منظمة المؤتمر الإسلامي ابتداء من سنة 1972م في جدة. وفي إطار منظومة الأمم المتحدة كانت المملكة العربية السعودية من البلدان العربية القليلة التي وقعت ميثاق سان فرانسيسكو الذي تأسست بمقتضاه المنظمة العالمية.
دور بارز
وبغض النظر عن الدور الذي قامت به المملكة في كل المنظمات المتخصصة دون استثناء، فإنها أعطت قضية التنمية المستديمة لبلدان الجنوب مركزاً أولوياً في سياستها الخارجية، ولهذه الغاية فقد ركزت جهودها على دعم المنظمات الاقتصادية القائمة، ومنها تلك التي أفرزتها اتفاقية بروتن وودز، وخاصة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي للإنشاء والتنمية. وقد استطاعت المملكة بفضل دورها الخاص والمؤثر داخل المنظمتين أن تكون الدولة الوحيدة في العالم العربي والإسلامي، التي تحتل مركز العضوية الدائمة داخل المؤسستين، وذلك من خلال مجلسي إدارة الصندوق والبنك.
الناطق الرئيسي
وقد مكنها هذا الدور بامتياز من أن تكون الناطق باسم بلدان الجنوب، والمدافع عنها داخل المنتديات الدولية، وهي إستراتيجية أثبتت نجاحها من خلال التحول الكبير في دور كل من صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي التي أصبحت تركز في مختلف أنشطتها على قضايا التنمية المستديمة لبلدان الجنوب.انطلاقا من هذا المنظور سوف نخصص المحور الأول من هذا البحث للدور الذي أدته المملكة في إطار التنظيم الدولي من أجل المحافظة على السلام العالمي على حين نركز ضمن المحور الثاني على دورها داخل التنظيمات الاقتصادية، وذلك لأهداف تحقيق التنمية والرخاء في بلدان الجنوب.
الإسهام في التنظيم الدولي لأجل السلام
سوف تحاول هذه الورقة أن تتناول ضمن المحور الأول الدور السعودي ضمن التنظيمات الإقليمية، على حين تتناول في المحور الثاني هذا الدور من خلال منظومة الأمم المتحدة.
الدور السعودي من خلال التنظيمات الإقليمية
تبدو علاقات المملكة في محيطها الإقليمي والجهوي وكأنها قطب الرحى لمجموعة من الدوائر المرتبطة بعضها ببعض انطلاقا من الإطار المحدود في مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى الجامعة العربية وانتهاء بمنظمة المؤتمر الإسلامي، ففي كل من هذه الدوائر أدت المملكة دوراً حاسماً في عملية التأسيس، كما شكلت ضمانة أساسية لاستمرار تلك المنظمات في القيام بدورها والنجاح في مهماتها.
وترتبط هذه المكانة بالأساس بالدور الذي أدته المملكة على مر التاريخ لكونها حارساً أميناً للحرمين الشريفين، والجهود المثلى التي بذلتها في خدمة حجاج بيت الله سواء على مستوى إعداد البنيات الضرورية للاستقبال، أو توفير كل الخدمات مما أصبح مصدر تنويه وإعجاب في كل بقاع العالم الإسلامي. وقد أضفت مسؤولية حراسة الحرمين الشريفين وخدمتهما على المملكة شعوراً بالثقة والاطمئنان لدى كل أطراف الجوار الإقليمي سواء منطقة الخليج أم مختلف بقاع العالمين العربي والإسلامي.وانطلاقا من هذا الموقع الاستثنائي الذي دعمته حكمة القيادة السعودية وبعد رؤيتها للمشكلات الإقليمية والدولية، فقد أصبحت المملكة تؤدي دور المرجح الإقليمي من أجل الحفاظ على السلام والاستقرار، بل وتمارس بشأن الكثير من القضايا دور الوسيط الناجح في تحقيق التسوية السلمية للنزاعات، وهي وضعية أصبحت معها الدبلوماسية السعودية تتمتع بالكثير من المصداقية في مختلف المنتديات.وقد دعم هذا المركز بالتأكيد توافر المملكة على ما يناهز 25 بالمائة من الاحتياطي النفطي العالمي، وتوافرها منذ تاريخ الصدمة النفطية لسنة 1973م على فائض مهم من عائدات النفط وسيولة نقدية أعطتها الفرصة المناسبة لدعم مشاريعها واقتراحاتها بالوسائل المادية الكفيلة بوصولها إلى حيز التنفيذ.
اسهام مقدر
وهكذا وفي الإطار الخليجي فقد أسهمت المملكة بشكل مؤثر في جمع كل من دول البحرين والكويت وقطر وعمان والإمارات لإنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي قامت الأطراف المتعاقدة بتوقيع دستوره بتاريخ 22 رجب 1401هـ / 25 /5 /1981م.
وتستضيف المملكة مقر الأمانة العامة لهذه المنظمة الفتية (1) إلا أنها وعلى الرغم من أهميتها لكونها أكبر دولة داخل المنظمة إلا أن العلاقات بين الأعضاء منظمة بشكل ديمقراطي حيث يتناوب رئاسة المجلس الأعلى الذي يضم رؤساء الدول الست كل من الأعضاء، كما أن القرارات تتخذ بأغلبية الأصوات.
ويمارس المجلس الأعلى بحكم أهميته دور لجنة تسوية المنازعات حيث أثبتت المملكة كلما تعلق الأمر بنزاع حدودي أو تضارب في المصالح بين أعضاء المنظمة قدرتها على القيام بدور المرجح والحافظ للتوازن، ومن المؤكد أن ممارسة هذا الدور بامتياز أحدثت آثارا محمودة على تسريع وتيرة الاندماج داخل المنظمة وعلى تسوية كل المشكلات القائمة بين أعضائها بشكل سلمي وبفعالية يندر توافرها في منظمات إقليمية مماثلة.
وفي الإطار الأوسع كانت المملكة من بين البلدان العربية المؤسسة لمنظمة الجامعة العربية وذلك في سنة 1365هـ/ 1945م(2)، وإذا كان الهدف الأساسي من تأسيس هذه المنظمة هو تعزيز التعاون والوحدة بين العرب والدفاع عن مصالحهم المشتركة إلا أنها لم تتمكن بشكل مؤثر من تحقيق الأهداف التـي أنشئت من أجلها، ويرجع الكثيرون هذا التقهقر إلى البنية المؤسسية للمنظمة ونظام التصويت فيها الذي يرتكز على الإجماع بدل الأغلبية، وكذلك إلى عدم الانضباط في عقد مؤتمرات القمة التي فقدت صبغتها الدورية، وكذلك إلى عدم الالتزام بالمقررات والتوصيات.
وقد كان للهزات التي عرفتها المنظمة أثر خطير على حسن أدائها، وخاصة بعد إقصاء مصر من عضويتها إثر توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، وعدم تحقيق أي نجاح في تعديل الميثاق وإعادة النظر في البناء المؤسسي.
دور محمود في التقريب بين وجهات النظر
بذلت المملكة داخل منظمة الجامعة العربية دوراً محموداً في التقريب بين وجهات نظر مختلف البلدان العربية، وذلك من أجل حقن الدماء وتفادي تدهور العلاقات نحو حافة الحرب. وهكذا دأبت على بذل وساطتها ومساعيها الحميدة لتسوية المنازعات بين بلدان الخليج، كما ثابرت بوصفها عضواً في الجامعة للعمل على تحسين الوضع في لبنان بعد أن أصبح غارقاً في الحرب الأهلية، وبذلت جهوداً مشكورة في تقريب الشقة بين المسلمين والنصارى، أما القضية الفلسطينية وهي أعقد مشكلات العالم العربي والمجتمع الدولي على الإطلاق .
