الأرشيف شذرات

ارتماءة

الهوّة الفاصلة بيننا تتسع، توقفتُ عن الاهتمام بالآخرين، وأعني الآخرين الذين عنوا كل شيء لنا. الذي كانوا هم نفسنا قبل أن يتحولوا إلى آخرين غيرنا لا نتعرف عليهم، نعم الهوّة الفاصلة بيننا تتسع وأكاد أقسم ألا تلاقٍ سيجمعنا، نجن الذين كانت لنا الدنيا سهلة وبسيطة لأنها كانت واحدة في مواجهة اثنين، افترقنا وأصبحت الحياة أصعب من ذي قبل، إنها مبارزة صعبة، أن تقف لحالك بدون الأشخاص الذين اعتمدت عليهم وأيقنت أنهم يحمون ظهرك، أينهم الآن؟ على عجالة يجيئون، يرددون نفس الكلمات التي رددوها قبل اسبوع أو شهر أو سنة، إنهم مشغولون وفي طريقهم دائماً ليعودون، يفتقدون للاستقرار، لا تشتتهم ببقائهم إلى جانبك أكثر، اسمح لهم أن يضيعوا، أن يذهبوا، أو يموتوا، اسمح لهم ألا يعودوا، قل لهم أخيراً أنك لا تنتظر عودتهم، أنك توقفت عن الرجاء بهم، والأمل في وعودهم التي لم يعطوها قطّ! اسمح لهم أن يركبوا الغيم إلى مدنهم الحارّة، أن يسيحوا مع الشمس، أن تدهشهم صداقات جديدة، وأشخاص جدد، وحياة مختلفة، اسمح لهم أن يخرجوا من ظلّك، ربما وجدوا ظلاً دائماً واستطابوه، هل تظنّ أنك الشجرة الوحيدة التي تسمح بالاتكاء عليها وترمي بالظلّ؟ لا لست كذلك، إنهم هناك متوزعون على كل ناصية طريق، فارعة ومثمرة وظلّها مختلف، لا يشبه ظلك الحنون الخائف في شيء، مالجديد؟ لماذا تحاول بشدة ألا تبدو خائب الظنّ؟ أعني أليست كل هذه أمور مررنا عليها من قبل وسلّمنا بتغيّرها، مالجديد؟ هل ظننت حقاً أن تغييرك يحتّم على الآخرين أن يتغيروا؟ ليس بالضرورة، إنك تغيرت. لكنهم هم أيضاً تغيروا. وحقيقة أنك تحتاجهم أو تمر بمراحل غريبة مختلفة فارقة في حياتك لا تكفي لتعيدهم إليك، لتسحبهم إلى حاجتك، إنهم ماضون، ماضون بلا تردّد، كان يجب أن تعرف هذا من قبل، ألا تؤمن كثيراً بعواطفك، بقدرتك على استمالتهم. هذا ما يعنيه الإصرار، أن يمضي أحد دون أن يتردد، وأنت يا للأسى لم تمضي مرةً دون أن تتردد، لذلك أفهم ما معنى أن تعتقد أن الجميع مثلك، أن قدرتهم على الرحيل منعدمة، أن بقائهم أكيدٌ ومُنتهٍ، لست بناقص، لست بمِعوز، إن حاجتهم لك تفوق أضعاف حاجتك لهم، الفرق الوحيد هنا أنك لم تخذلهم يوماً، وهم خذلوك، وهم آذوك، وهم سحبوا مواجد الدمع من عينيك، وداعاً يا شخصي الوحيد، يا نصفي الذي اكتمل وماعاد يلزمه بقاء، وداعاً أيها الماضي إلى عزمك، إلى حلمك دون أن تتردّد، وداعاً.
الكاتبة / أماني العوفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *