(1)
•• أستطيع أن أقول عنه بانه لم يمر في حياته بمرحلة “الشباب” بكل ما تحمله هذه المرحلة من نزوات، ومن ارهاصات.. لقد قضى حياته من الطفولة الى مرحلة الرجولة قفزاً، كان خلف هذا التجاوز ذلك المجلس الذي كان يعقده والده في بستانه مساء كل يوم، ويحضره أصحاب الفكر الديني والثقافي.. فكان هو يلتقط من ذلك المجلس مكونات حياة الإنسان.. فأندبغ فكره بتلك القيم، وتلك الميزة القادرة على تغييب كل شطحات الشباب، بل وعقلنتها، واعطاء تحركه ذلك الهدوء السمح المبني على أسس من القيم الأخلاقية.
لقد كان لذلك – المجلس – في ذلك البستان هو – الجامعة – الذي وفرت له الكثير من المعارف، بل والكثير الكثير من مفاتيح “المعرفة” العلمية، واعطته القدرة على سلوك تلك الدروب التي لا يدخلها إلا ذوي العزيمة والصبر والبحث في مضان تلك العلوم.
عند حضوره لأي مجتمع لا تكاد تسمع له صوتاً انه مستمع جيد، وتلك احدى صفات الإنسان المتحكم في هواه.. وإن كان محيطاً بكل ما يجري أمامه من القول الجيد، والقول السقيم.. لديه – مصفاة – تغربل كل ما قيل أمامه.. فيبعد – كل سقيم – ويبقي كل مفيد.
(2)
تعلم من ذلك المجلس كيف يمد يده لعمل الخير في صمت، ودون ضجة أو صخب يفعل ذلك احتساباً لا يرجو منه ادعاء أو مباهاة، وتلك من شيم الكبار.. كان واحداً من طلبة – المعهد العلمي – في مقره في حي السحيمي في المدينة المنورة في بداية الثمانينات الهجرية لا يشعرك بأية تصرفات قد يقوم بها من في مثل سنه في ذلك الوقت.
كان حصيفاً هادئاً.. حيياً.. وأصبح عنواناً لهذه الصفات الثلاثة بعد تخطيه الستين من عمره.. أمده الله سعادة ونشاطاً.
•• كان من خصائصه – الصبر – في عمله وهذه احدى ميزات الفلاحة.. فالفلاح يقوم عمله على الصبر فهو يبذر البذرة ويقوم بريها، والحدب عليه طويلاً الى أن تثمر، ويقوم بجنيها.. كل ذلك انعكس على حياته فاعطاها الكثير من السمت الرزين فهو لا يدخل في أي جدال، ويذهب في حل أي – مشكلة – راسا الى جذورها، ويقضي عليها من تلك الجذور انه لا يرغب في الدوران حولها فهو يحسمها بأي ثمن كان الحسم.
(3)
إنه واحد من أولئك الذين لا يحبون رفع الصوت مهما كان مخاطباً.. فللغضب عنده منافذ يستطيع من خلالها التنفيس من – حدته – وتصريفه بأقل الأثمان النفسية.. هكذا أراه وهو في ذلك السمت الهادئ المريح كأنه يعيش تصالحاً مع نفسه لا يشوبها أي معكر، وتلك هي دلائل الركون الى الخالق.. الذي بيده كل شيء.. أضف الى كل هذا ترسمه لخطوات والده رحمه الله في عقلنة كل القضايا والالتزام بذلك النهج القويم في التعامل مع الآخرين بكل احترام وتقدير.. وتلك صفات الإنسان المؤمن الذي لا يتوقف أمام صغائر الأمور.
إن مجلس العباسية، وتلك المزرعة ذات الباسقات الباهرات من المجنيات وذلك – المجلس – بما كان يدور فيه من عبق الكلام وجمالياته خرج هذا الشيخ الشاب أو الشاب الشيخ احمد عبدالحميد عباس.
إنه ذلك الشيخ الشاب أو الشاب الشيخ
