الأخيرة

إنه الصحفي الجاد .. الصارم

•• كان واحداً من أولئك الذين أتوا من قاع المدينة بكل ما يحمله ذلك المجيء من احساس بالمعاناة في فمه ملوحة البحر وعلى وجهه “اكفهرار” الايام المضنية.. كل ذلك اعطاه قوة الكفاح وديمومة العطاء.. فكان من اصحاب الكلمة الحراقة صدقاً.. ليس عنده في الحياة الا لونان ابيض واسود ولا يعترف باللون الرمادي.. ذلك اللون المخادع الذي يرغبه الكثيرون ممن يحاولون التماسك على “لونه” دون انكشاف موقفهم وعندما أتى الى عالم – الحرف – الصحفي كان يحمل في وجدانه كل تلك القيم التي تجعله يكافح عن من هم في قاع – المدينة – لهذا راح يضع كل علامات التوجس على من هو خارج ذلك المجتمع الذي عاش مراراته.. فأخذ على نفسه عهداً ان يحمل همومه وان يدافع عن قضاياه بكل قوة وجدارة واصرار .. مهما عرضه ذلك لكثير من الاذى والكثير من اللوم والجحود ومع انه أتى الى عالم – الصحافة – من الباب العتيق لها لكونه كان حاملا تلك البذرة الحراقة بالموهبة الخلاقة التي هي المدماك الصحيح للصحفي الحق الذي يعطي من ذاته ومن احساسه.
كان صادقاً في علاقاته لا يعرف التلون او حتى الطبطبة على الاكتاف .. لهذا دخل الى وهج العملية الصحفية من بابها الواسع والصادق فحقق نجاحاته تلك بكل جدارة واقتدار.
انه أحد الذين حفيت اقدامهم في ذلك الشارع المليء بقطع الزجاج “حيث هشمها” بقدمين عاريتين من أي حائل .. بتلك العزيمة, انه شارع مشرق بأضواء النيون وخادع لمن يسلكه ولكنها لم تخدعه لكي ينسى نفسه او مجتمعه الذي جاء منه.. وقد أعطته هذه المهنة الدخول الى بوابات الطبقة – “البرجوازية” لكنه لم يكتف بما هو قليل منها على طريقة ما كان يقوله أحد الذين عركتهم الحياة .. قليل منه مفيد كثير منه ضار .. والضرر هنا قد يكون في الطبقة التي يراها على كثير من الاهتمام بالآخرين وبالذات باؤلئك الآخرين الذين يعيشون في قاع المدينة الذين حمل همومهم وتطلعاتهم البسيطة لقد حقق الكثير من النجاحات في عالم الصحافة عندما كان الصحفي ذلك الحارث وهو يتصيد اخباره ومتابعة مواضيعه قبل ان يتحول اسيراً لهذا الجهاز الذي يوصل اليه كل شيء وهو على مكتبه مرتاح من كل حركة جادة فلا يخلق لديه الحماس للعمل ولا جادته.. لهذا نرى كثيرا من الاعمال الصحفية لا رائحة لها ولا لون ولا طعم.. فهي كالطبق البايت الذي لا يقبل حتى “الكشكشة” على طريقة جدتي التي – تكشكش – تلك الأطباق من الخضروات البائتة فتكون في منتهي اللذة.
لقد كان من أصحاب الهمم النادرة على الدخول في أعماق ما يعانيه المجتمع من ضروب الحياة ومتاعبها.
أراه الآن وقد لملم أوراقه وكسر قلمه وأفرغ قارورة دواته أكثر هدوءاً لكنه ذلك الهدوء – القاتل – رحم الله أخينا محمد صادق دياب الذي كان يقول عنه أنني أشعر بارتياح عندما أراه رافعاً صوته معترضاً وهذا دليل صمته.
ان محمد مسلم الفائدي هو ذلك الصحفي الغارق في هموم مجتمعه الآن يراقب ما يجري امامه في هذه الصحف التي يقلبها ومن ثم يدفع بها الى جانبه دون الاهتمام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *