( شراعة)
•• من هذا – الشباك – الذي نطل منه على ذكريات مضت وقد حرصت على أن تكون لأناس قد كانت لي معهم مواقف مباشرة لا عن شخصيات لها مكانتها الفكرية والأدبية ولكن لا يوجد لهم مواقف معي شخصياً، لهذا أسجل اعتذاري إن أنا لم أذكرهم.
ثانياً هذه الذكريات – عن الذين رحلوا إلى بارئهم وليس عن من يعيشون معنا متعهم الله بالصحة والعافية وطولة العمر.
•• كان رجلاً طويل القامة واثق الخطى واسع البال.. كان في تكوينه فنان كلمة ومجيد حرف، برقة في الأسلوب وبهاء في العبارة وعلى جمال ذلك كله كانت عبارته ذات عدة رؤوس تذهب إلى مرماها وتصيب هدفها بكل حرقة ومع هذا كله دون أن تترك أثراً على ذات الجسم الذي تصيبه.
له من خصائص أولئك الفرسان في الأزمنة الغابرة أعزها وأبهاها، له التزام حقيقي بكل قيمة قديمة فهو لا يدعه تحت دواعي الزمان فهو شديد المحافظة على أشيائه القديمة فهو يعشق رائحة جدران الأمكنة التي عاشت في داخله وعاش في ظلالها لهذا ظل متمسكاً بتلك الدار التي عاش فيها في حي – الكندرة – رغم رحيل كل من جاوره الذين ذهبوا في رحيلهم الجماعي نحو الشمال حيث – البحر – إلا هو ظل في هذا المكان يقتعد في تراسه القديمة وأمامه تلك نصف الحديقة بعد عصر كل يوم يستجلب الماضي ويعيش فيه بروح رطبة ونفس فرحة لا تعطي أي مظهر من مظاهر الحياة أي بهرج لها.
أذكر ذات يوم وكنت والصديق عبدالله جفري – رحمه الله – نجالسه في ذلك – التراس – في منزله ذاك أن قلت له لماذا لا تذهب إلى الشمال إلى البحر كبقية من ذهب إلى هناك رد عليّ قائلاً:
إن التوافق مع الأشياء القديمة أصبح لدي أمراً لا أستطيع الفكاك منه. إن هذه الحيطان وهذه الأرض وهذا التراب الذي يتطاير مع أية هبة هواء كل ذلك يشكل في داخلي حياة لها معنى لا أستطيع أن امسك بها ولكنني أحس بها راحة في نفسي.. فأنا لا أستطيع أن اعيش بعيداً عنها تعرف أن الماضي وظلاله يعيش في داخلي فلا استطيع منه فكاكاً صحيح الآخرون قد ذهبوا ليغيروا من ملامح حياتهم لكن السؤال هل يستطيعون أن يغيروا ما بداخلهم؟ هذا هو السؤال يا ابني. يومها كنت استمع صامتاً لهذا القول الذي لا أنكر أنه اعجبني.
لقد كان السيد ياسين طه واحداً من اولئك الكتاب الذين ينطبق عليهم وصف أولئك الفرسان الأوائل في عالم الحرف المشحون بالقيم بعيداً عن سفاسف القول إنه من عصر كان اصحابه كلهم من النبلاء، لا أحد يستطيع أن ينسى ما سطره يوماً تحت عنوان معانا ريال أو العدد في الليمون.
في أواخر أيامه كان يأتيني صوته عبر الهاتف واهناً ولكنه منساباً في هدوء المؤمن عندما كان يصب في أذني عبارته الرقيقة:
طمني كيف حال أهلنا هناك
عساهم بخير وسعادة..
يقصد أهلنا في المدينة المنورة
رحم الله السيد ياسين طه الذي وافاه الأجل المحتوم في عام 2008م وأسكنه فسيح جناته..
