•• إنه واحد من أولئك الذين يعطون اهتماماً بكل ما هو أصيل لا يؤمن بشيء اسمه اليأس أو التهاون فيما يقوم به من أعمال كلف بها إنه الصدق الذي تربى عليه.. منذ نعومة أظفاره تعلم من والده حبه للذة – العمل – والمثابرة عليه مهما كان هذا العمل شاقا، وأعطاه فقده لأمه منذ أبصر الدنيا معنى الاعتماد على النفس، والدخول في جدلية الحياة بروح المكافح الذي لا يعترف باللين من الأشياء.. وهذا ما صنع كل حياته التي أعطاها كل هذا البهرج الذاتي في داخله، والذي لا يشعر به إلا هو، وهو واحد فقط.. لهذا تراه يواصل عمله كواحد من أولئك الكبار المخلوط احساسهم بكبرهم مع تواضع الكبار. فهو مهما وصل إليه من مراكز متقدمة في كل عمل تولاه لا يحس من يعمل بجانبه بانه يمتاز عنهم أو عليهم بأي مركزية يتشبث بها الآخرون في ذات منصبه.. إنه يحترم المجد في عمله أن تقديره لذلك تجلى في تعامله – مع عامل الشاي – الذي لا يقل عنده عن احترامه بأكبر موظفيه المجيدين.. إنه لا يحترم المتقاعس أو المتهاون..
بعد مشواره الطويل وتقلبه في أكثر من منصب قيادي.. وجد سعادته في سلسلة ذلك العمل الذي لا يستطيعه إلا أصحاب الجلد وأصحاب المثابرة الذين يعطون من عمرهم أغلاه في اضباراته بكل أريحية فهذه السلسلة من العمل الجاد المتخصص في تتبع ما خطه أصحاب الفكر بالبحث في أعماق التاريخ الإنساني والجغرافي الذي يجعله يحفر في صخور أو جذور في أصل التكوين الإنساني أو الجغرافي فأخرج لنا سلسلة من ذلك التاريخ في عدة أجزاء من كتب تحت عنوان “جمهرة الرحلات”.
تراه صامتاً لا يستهويه الكلام في كل شيء، لكنه يثور إذا ما لحظ أن هناك تعدياً على مفردة في أساس الحقيقة المطلقة التي يؤمن بها.
يتمتع بأمانة خالصة في عمله لا أنسى ذات يوم، وكان مديراً عاماً لتهامة أن قال لي الصديق محمد سعيد طيب، وكان يومها العضو المنتدب في تهامة هو أحمد محمود من أي طينة خلق يا أخي انه مدير عام، ومن حقه أن يستعمل كل التلفونات.. إنه حجز أحدى فواتير الهاتف في مكتبه، وقال هذه الفاتورة على حسابي لأنني تحدثت بها خارج عمل تهامة..
هذا السلوك من أحمد محمود غير غريب عنه بهذه النزاهة، وبهذا الورع.. أن من أمثال هذه القصة الكثير لديه وعنه، والتي لو ذكرتها لغضب مني غضبة مضرية لا أستطيع ردها، ذكرت هذه القصة لأن الراوي لها آخر مؤمن أنا بصدقه.
كانت صفة الجلد هي الصفة التي وضحت في مثابرته مع انجاز هذا “السفر” الضخم من كتب التراث وتحقيقها، وبالذات فيما يختص بالرحالة وأمزجة الرحلات وعواطفهم وهم المعروفون بالبحث والتنقيب في جذور ما يمرون به أو عليه من عادات الشعوب.. وهرطقات الأمم كل ذلك يؤطره رغبة أكيدة في تقديم ما هو خلف كل الصور.. وهذا لا ينم إلا عن قوة بصر وسلامة بصيرة.
إن أحمد محمد محمود تتبع أولئك البحاثة الرحالة في جهده – الخارق للمدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة – لا يقل عن جهدهم.. فهو المتعقب لكل خطواتهم، ولكل دقائق ما قاموا به.. كل ذلك اكتسبه من تربية.. متقشفة لا تعرف الميوعة أو تستكين للسهل من العيش يحيط ذلك “كرماً” وحباً في فعل الخير ما لا يعرفه أقرب الأقربين له كل ذلك يزينه بشجاعة أدبية وإنسانية نادرة.
وبمناسبة شجاعته أذكر أننا في جريدة المدينة أن قام أحد الزملاء بتقديم مادة صحفية نشرت، وطلب أن يحقق مع المحرر فذهب هو وأجرى اللازم دون أن يخبر المحرر بذلك حتى الآن لكي لا يكسر همته، ومواقف كثيرة تدلل على شجاعته، وتحمله للمسؤولية كلامه.
إنه أحد الفرسان النبلاء بحق.. فهو لا ينال من أحد مهما فعل ذلك الإنسان في أضراره أبداً والشواهد عندي كثيرة.
إنه أحد الفرسان النبلاء
