الأخيرة

إنه أحد أصحاب الخلق الرفيع

كتب : علي محمد الحسون

•• لقد اتفق كل من عرفه على مدى خلقه، وعلى مدى حرصه على علاقاته مع الآخرين في طيبة نادرة.. وكرم لا حدود له.. انه الباذل بسخاء لكل محتاج أو طارق.. او من يدخل لمجلسه من أصحاب الحاجة.. لا يرد سائلاً مهما كان ذلك السائل مخادعاً في الحصول على ما يريد.. إنه يعرف ذلك، لكنه يتعامل هو مع الخالق، وليس مع المخلوق الإنسان، كان في عمله «مثابراً» لا يركن على الآخرين، تراه يجوب الحرار حاملاً معه – أدوات – رسوماته أو تحديد أبعاد ما يريد وضعه على الورق.. فكم ضرب راسه في – سقف – ذلك الوانيت، وهو يرتقي الحرار العالية ذات الحجارة السوداء ليضع نصباً هنا أو وتداً هناك.. كان له نهجه في العمل لا يعترف بالأبواب المغلقة.. كان باب مكتبه مفتوحاً على مصراعيه، إنه من أولئك الأوائل الذين لم يستخدموا حجاباً على مكاتبهم لمنع من يدخل إليهم.. هكذا نشأ، وهكذا تعلم.. لقد سرق من دكان والده في ذلك ذلك الشارع العتيد شارع العينية كيفية التعامل مع الآخر من والده.. حيث لا حواجز بينهما كوالد وابن ففلسفة «البازار» هي فلسفة الأخذ والعطاء، والتداخل مع الإنسان في صلب اهتمامه، لهذا كان واحداً من أولئك الذين يفهمون قيمة التعامل مع من يأتيه.
عندما – سافر – لتحصيل العلم – كان يحمل في داخله كل تلك القيم التي تعلمها من ذلك «الرجل» الذي كان يرعاه بحدبه وعطفه وتعليماته الموحية له، ولاخوته من حوله في ذلك الدكان.. فكان ذلك المثابر على تحصيله في ذلك البلد – غريب – اللغة.
إن هناك من يعطيك احساساً بأنك لم تتلق تربية متميزة لسمو ما هو عليه من خلق رفيع.. إنه أحد هؤلاء المميزين.
***
عندما ذهب الى ايطاليا في بداية الستينات الميلادية قال في نفسه ألم يقولوا كل الطرق تؤدي إلى روما.. وروما عنده العلم أي تحصيل العلم هو الطرق الذي يؤدي الى أن يصل الإنسان الى مبتغاه.. واتى من هناك حاملاً جواز مروره الى الامساك بمسؤوليته تجاه وطنه.. فأخلص لهذه المسؤولية ايما اخلاص.. وأعطاها من جهده وبذله ما كان فوق طاقته، وبعد سنوات من العمل والجهد والمثابرة والاخلاص كان أن وضع عصا الترحال من المسؤولية، لكن أخذته روحه المعطاة الى متابعة كل ما يقدم من مشاريع للوطن وهو خارج المسؤولية المباشرة.. فكان همه جودة هذه المشاريع، كأنه لازال على رأس عمله بعد..
***
إن المهندس طالب عيسى المشهدي أحد رجالات المدينة المنورة الذين صبغوا حياتهم بحبهم للآخرين، ذلك الحب الخالص الذي لا يرجو من خلفه جزاءً ولا شكوراً، إنها طبيعة نفسه التي عودها على ذلك التفاني في الآخر.
***
لقد أحسست وأنا اكتب عنه بعضاً من نتف حياته التي أعرفها شعرت بالحرج لكوني لم أستطع أن أقول عنه كل ما أعرف لأن ذلك سوف يزعجه.. من عطاء سخي.. وتفتيش على من يحتاج الى عون يفعل ذلك في صمت الراجي عفو ورحمة ربه، لقد تعود على ذلك الحرص في خدمة الآخر مهما كان هذا الآخر غليظاً أو متلوناً أو خارج سياق المعروف الذي أسداه إليه.. ولديه حكمة تقول أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداء كأنه ولي حميم..
هذه الروح الخلاقة هي ما يسير عليها في حياته.. صبوراً في تحمل كل المآسي، بل حتى نكرانه من أي احد آخر.. يجد لديه من الأعذار نحوه ما يعجز هو من الايتيان بها لتبرير موقفه.. فهو يسير وفق مفهوم خاص به يقول:
أعمل المعروف وأرميه في البحر.. انه احد البقية الباقية من ذوي الخلق الرفيع أدامه الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *