عمر عبدالرازق
تدخل سوريا عامها الثاني من الأزمة فيما لا يزال السوريون مختلفون حول مستقبل بلادهم.فإذا كان للرئيس السوري معارضون نسمع عنهم ونعرفهم منذ بداية الأزمة، فهل له أنصار يؤيدونه ؟ وكيف؟قد تبدو الإجابة سهلة لكن كان علي أن أبحث عن هؤلاء المؤيدين وأتحدث إليهم ضمن برنامج \"تحقيق خاص\" ، وأزور العاصمة وحلب واللاذقية، وكانت البداية من دمشق.عندما وصلت إلى دمشق كنت اعتقد أنه سيتعين علي أن ارتدي السترة والخوذة الواقيتين بمجرد خروجي من المطار، خاب ظني، فالطريق بين مطار دمشق ووسط المدينة يبدو مفتوحا لا توجد عليه سوى نقطة أمنية واحدة.بعد يوم واحد من الحصول على الموافقات الأمنية بدأت اتجول في دمشق، ما اعتقدت أنه غياب أمني في العاصمة تبدد في اليوم الأول من العمل، فقبل الشروع في التصوير في ساحة العباسيين، ظهر فجأة بعض الشبان في ثياب مدنية، وسألوني من أنت وماذا تفعل؟ ورددت السؤال بمثله، فأجابوا بانهم شبان وطنيون من اللجان الشعبية.
لجان شعبية أم \"شبيحة\"؟
يختلف المسمى حسب موقفك من النظام، فأنصار الرئيس من اللجان الشعبية هم عناصر أمنية أو مرتبطة بالامن ومعروفة له، تنتشر في المناطق الحساسة والميادين، وكثيرا ما عجزت عن إدراك وجودهم.في ساحة الجامع اليومي قبل صلاة الجمعة تحلقت حولي مجموعة مماثلة من الرجال من مختلف الاعمار، كان احدهم يتحدث لي بحماسة عن المؤامرة التي تحاك على سوريا، وعندما كنت أتحدث إلى رجل أكبر سنا، خاطب محدثي بعبارة تنم عن بساطة أو عدم إدراك لمهمته \"يا سيادة العميد دول جماعة البي بي سي\".كثيرون من المؤيدين أمام الجامع الأموي، شبان وفتيات، احتشدوا يهتفون الشعارات والأهازيج التي وضعت لمناسبة كهذه \"نحنا رجالك يا بشار\" لكنهم رفضوا إظهار وجوههم للكاميرا.
الاعلام السورية في ساحة السبع بحرات: جيل عصري من المؤيدين.قالوا لي إنهم يتلقون تهديدات بالاستهداف من المعارضة التي تنشر صورهم على \"الفيسبوك\"، لم أعرف إذا كان ذلك حقيقيا أم لا، لكن بدا لي خوفهم حقيقي. حين سألتهم إذا كانوا من الشبيحة أثار السؤال غضبهم وقالوا إنهم \"فدائيين\".في حلب، عاصمة سوريا الصناعية، عرفت أن \"الشبيحة\" او اللجان الأمنية، ايا كان المسمى، هم من يتولون تفريق المظاهرات نيابة عن الأمن، وهم موجودون بكثافة في ساحة عبد الله الجابري.سعيت للقاء أحدهم، وتم اللقاء في أحد مقار الشرطة.في البداية أكد لي أنه يحمل شهادة جامعية في الاقتصاد، لكنه عاطل عن العمل، وعندما سألته عن انتمائه الحزبي قال نعم إنه بعثي، سألته عن علاقة مجموعته بالشرطة، قال \"ليس لنا أي علاقة موثقة أو مباشرة بالأمن، نحن متطوعون غيورون نمول أنفسنا ذاتيا\".الغريب أن هذا الحوار كان يتم في حضور ضابط في الشرطة وفي مكتبه.لكن ذلك لا يعني أن كل المحتشدين في الساحات تأييدا لبشار الأسد هم من الشبيحة، اذ تبدو الصورة مختلفة في ساحة السبع بحرات، حيث يحتشد جيل عصري من المؤيدين يرقصون على موسيقى الراب التي وضعوا لها كلمات تشيد بالرئيس الأسد.شبان وفتيات ارتدوا زي الجيش السوري، وهم يعتلون منصة نصبت أمام مبنى البنك المركزي، للغناء أو القاء الخطب، وآخرون يطوفون بسياراتهم رافعين العلم السوري وصور الرئيس.ويقال إن الحشد كان أكبر عددا بكثير يوم الاستفتاء في السادس والعشرين من فبراير/شباط الماضي، حين امتلأت الساحة بالمؤيدين.
ويلعب الإعلام السوري، الحكومي منه والخاص، دورا خاصا في حشد المؤيدين للرئيس الاسد، فقد طور الجهاز الإعلامي ما يسميه \"هجوما مضادا\" للتصدي \"للحرب الإعلامية على سورية. قد تبدو في التعبيرات بعض المبالغة لكن هذا ما يحدث.فقنوات مثل الدنيا، التي يملكها رجل أعمال مقرب من النظام، والإخبارية وهي قطاع حكومي مشترك، تقدم فقرات خاصة لتفنيد ما تسميه \"التضليل الإعلامي\"، تتعقب الأخبار التي تبثها القنوات الخارجية يوميا وتفندها في دأب لا يهدأ.
حددنا موعدا لزيارة تلفزيون الدنيا في مدينة المعارض على مشارف دمشق، وبعد عملية تفتيش أمنية واستجواب دقيق عن أهداف المقابلة، من قبل المسؤولين على القناة، اعتذروا لعدم وجود من يتحدث إلينا.
وتجمع شاشة الدنيا التي تقود الهجومي الإعلامي المضاد العصرية مع الترفيه، مذيعات ومذيعين، يقدمون لونا آخر من الحياة غير ما يسمع به السوريون من الإعلام الأجنبي.وحين سألت أحد المسؤولين السابقين عن سياسة القناة عن السر في جرعة الترفيه في وقت يعاني فيه المواطنون الغلاء، قال \"لن نتحدث عن الأزمة طوال الوقت فلابد أن نروح عن المشاهدين.\"كثيرون كانوا يراهنون على انضمام حلب لحركة الاحتجاجات، لأن هناك اعتقادا بأن بقاء حلب ودمشق خارج المعارضة هو دليل على بقاء النظام.ولكن الصورة في حلب تبدو متداخلة.وحين سألت الدكتور محمود عكام مفتي حلب عن تأييد حلب للنظام السياسي، وهل لأن نخبتها السنية من المستفيدين؟ جاءت اجابته مطولة، لكنه قال إن حلب هي الأقل استفادة من النظام السياسي، وأن حلب \"هي مدينة التجارب والإباء والقوة، ولا يستعصي عليها نظام، لكنها تدرس ما يحدث وتريد ان تخطو خطوة ناجعة لا بهدف الصراخ فقط\".
لكن المدينة التي اشتهرت بقدودها الحلبية وتنوعها الإثني والطائفي، تنام مبكرا، خاصة مع تواتر العنف من أطرافها وخارجها.فقد سقط خمسة رجال أعمال قتلى عمليات اغتيال، ورجال الأعمال الذين كونوا ثرواتهم من الصناعة والتجارة هنا باتوا بين مطرقة النظام وسندان المعارضة، فهم مطالبون بإظهار ولائهم للجانبين وكأنهم يسيرون على حبل مشدود.
يقول الشهابي إنه شخصيا \"ليس من المستفيدين من النظام، وأنه وضع على قائمة العقوبات الأوروبية رغم ذلك، لكنه ينحاز إلى الوطن، ومع الإصلاح عن طريق الحوار ولكن مع الحفاظ على هيبة الجيش وسلامة الدولة\".
لكن المؤكد أن العلاقة بين البازار ورجال الأعمال من جانب والحكم في الجانب الآخر، كانت من ضمانات استقرار النظام في سورية .رغم ذلك ستسمع من يشمت همسا بنظام بشار الأسد لأنه ساعد في خلق دائرة جديدة من رجال الأعمال المحتكرين المستفيدين، في قطاعات التوكيلات والخدمات، وهو ما أضر بالتجار والصناعيين التقليديين، حسب رأي الشامتين.وحين سألت أحد التجار في سوق الحميدية عن ولائهم للنظام السياسي قال لي بعفوية \"لازم نتحمل منشان بلدنا، لكن ولاءنا الأول والأخير لليرة التي تدخل جيبنا، لا شأن لنا بالسياسة، فلن نكون وزراء \".
ويمثل المسيحيون السوريون بمختلف طوائفهم حوالي 10 بالمئة من سكان سورية الذين يبلغ عددهم قرابة 24 مليون نسمة.
وحين سالت طالبة مسيحية في جامعة حلب عن مشاعرها تجاه ما يجري، لم تخف مخاوفها لكنها قالت \"المشكلة انهم يعتقدون أن المسيحيين يؤيدون النظام بدافع الخوف، لكن الحقيقة أننا لا نؤيد ولا نعارض، نحن لم نكترث بالسياسة أبدا\".
