الأخيرة

أحمد زكي (العربي) وعلوي الصافي (الفيصلي)

•• وأنا استذكره.. نبت في ذهني ذلك الوصف الدقيق الذي أطلقه أحد الأصدقاء على صديقه عندما قال: لقد أعز نفسه حتى أضاعها.. نعم نبت ذلك في ذهني وأنا اتذكر ذلك الصديق القديم بكل ما كانت عليه صيرورة حياته ان ذلك القول ينطبق عليه هو الآخر «لقد أعز نفسه حتى أضاعها».. لقد كان شديد الحساسية في كل تعاملاته مع الآخرين فهو لا يقبل أي شيء لا يراه متكاملاً معه فسرعان ما تكون ردة فعله عنيفة وقاسية وقد تجبره على اتخاذ موقف ما كان يجب الوصول اليه لمجرد عبارة شاردة أو موقف يحتاج الى شيء من التريث أو حتى التجاوز لكنه هو هكذا ردة الفعل سريعة عنده فأصبح حاملاً لكل نتائجها حتى أصبح بعض الآخرين يتخذون مواقف منه يريدونها ضده لكونهم يعرفون ردة الفعل عنده.. وهي التي يريدونها.. كان هو لا يهتم بكل هذا.. فهو الحريص على أن لا تخدش ما يحمله من مفاهيم، كان واحداً من الذين يمكن أن يكون لهم موضعهم في عالم النقد الأدبي لما يملكه من رؤية أدبية اخاذة سادت الوسط الثقافي والصحفي أيامها.. عندما كان أحد الأقلام الفارهة في ذلك الزمان في منتصف الثمانينات الهجرية حتى منتصف التسعينات.. كان صريحاً الى حد اللامعقول كان شفافاً الى اقصى حدود الشفافية فهو لا يتوقف كثيراً أمام أي رأي يراه مغايراً لما يؤمن به من مدلولات.. فتراه يحمل كل أدواته ويذهب الى اخر الشوط في هدم ما يراه غير صالحاً..
كان لحرفه.. حرقة المندفع نحو الصواب الحق كما يراه.. وكانت عنده لذة العاشق لما يريد الوصول اليه.. بكل ما يحمله ذلك العاشق من مشاعر جياشة.
•••
عندما تقرأه تشعر بأن أصابعه تلتهب ناراً وهو يكتب وأن رأسه يغلي بما يحمله من أفكار.. لا يتوانى في قول ما يؤمن به حتى لو كان ذلك معارضاً لمن حوله..
كنت أراه ايامها وهو يحمل تحت ابطه صفحات بروفات مجلة الفيصل عند بداياتها أو هو منكب على بروفاتها في منزله حتى ساعات متأخرة في الليل وهو شديد العناية وكثير التطلعات لإيجاد مجلة ثقافية كان حريصاً على أن تكون مختلفة عن بقية المجلات الثقافية التي كانت تصدر في عالمنا العربي.. اذكر انني كنت عنده في منزله في الرياض ذات ليلة في تلك الفترة عندما راح يشرح لي ما سوف تكون عليه «الفيصل» قلت له لا تنسى أن هناك مجلة «العربي» الكويتية.. ضحك يومها وهي ضحكة كانت تنم بأنه حتى هذه لن تكون في مستوى ما يريد من مجلة فيصلية انها تحمل اسماءً عزيزة علينا فيجب أن يكون ما يطرح فيها يتناسب مع قيمة ذلك الاسم الذي تحمله.. كان مبهراً لي يومها وأنا استمع الى كل طموحاته.. ليثبت مع أول عدد وما بعده من اعداد بتلك الصرامة فيما ينشر فيها من صدق ما كان يحمله نحوها..
لكن فجأة اختفى.. ودخل في سلسلة من اعتلال لصحته.. وغاب عن وسطه الذي اعتاده وأصبح في معزل عنه.
إن علوي طه الصافي ذلك الأديب الذي لم يكن صحفياً ولكنه كان أديباً مثله مثل ذلك الدكتور أحمد زكي الذي كان كيمياء وليس صحفياً ولكنه قدم لعالمنا العربي تلك المجلة الفارهة في طرحها حتى تسيدت كل الاصدارات الثقافية انها مجلة العربي.. إن علوي كاد أن يكون أحمد زكي في مجلة الفيصل لو استمر فيها طويلاً..متعه الله بالصحة وأعاده إلينا من غربته التي أخذته عنا بعيداً..

1 Responses

  1. مقال جميل و معرفة صادقة تعمقت في وصف علوي الصافي.
    بودي لو اعرف اسم كاتب المقال .. أرجو من الجريدة تعريف كاتب المقالة .. مع شكري له على تقديره

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *