ملامح صبح

أثر الحركة في قصيدة عاطف الحربي

رؤية – صالح الصخري

يتخذ الوعي بعداً بوليفونياً قائماً على التنويع ,بحيث يجعل من أفق القارئ مساحةً للتأويل ,وهذا يتوافق مع رؤية بلانشو* حول قصد القراءة في العمل الأدبي وأسبقيته ,فهو قادرٌ على خلق كيان كامل وليس بناء وعي تدريجي ,ونصوص عاطف الحربي مستقلةٌ بحد ذاتها ,وتجعله يكتب نفسه ,فتصبح نتاجاً يتحرر من كاتبه ويحقق خصوصيته باعتباره مساحةً متميزةً تختلف عن الواقع الذي نعيشه ونختبره ,ولتجربة شاعرنا لون مختلف يصعب وصفه والإحاطة به لأننا لا نستطيع أن نأخذ جانباً واحداً من شعره ,ومن ذلك الحركة في قصائده والتي لا نستطيع أن نعزلها عن الظواهر الصوتية واللونية والنفسية ,وهذا ما يجعل القراءة لهذا النوع من النصوص متعة تصاعدية.

 

(1)
بث الروح في الجمادات
يقول :
ما شفتني كيف اختنقت بكفوفي؟
حبرٍ يعرّيه السطر…يزفر الباس
وما شفت ذاك الوقت كيف بوقوفي
دمع الشوارع سال في دفتر الياس
صور متلاحقة بتراتبية مفعمة بالعمق والدلالات ,ولعله هنا يجعلني أؤكد المقولة النقدية التي تقول :إن من العوامل التي تعطي الصورة والحركة منح الحياة والشخصية والإنسانية إلى ما لا حياة له مثل قوله : (حبرٍ يعرّيه السطر يزفر الباس,دمع الشوارع طاح) وهنا نلاحظ كثافة الصورة الشعرية المبتكرة المتناسقة مع موسيقى النص (كيف اختنقت بكفوفي).
(2)
التشبيه
وهو من مظاهر الحركة والذي يتكرر غالبا في نصوص عاطف:
في خلا والشمس في كبد السما الزرقا تصلّي
لا أثر لانسان..لا ظلٍ ظليل ولا سحابه
غير انا وارضٍ غدا فيها البصر وامتد ظلّي
واسئله ترعى وقطعانٍ من الذكرى تشابه
عالمٌ خفي عليك أن تلج إلى دواخله ودهاليزه,وتتموقع لاستكناه اسرار الابداع فيه,فالشمس تصلي والأسئلة ترعى ,والذكرى قطعانها تتشابه) لتتحرك الصورة متخذةً من الحركة أسلوباً متصلا مع النص بشكلٍ كامل.

 

(3)
استخدام الفعل المضارع وميزات الألفاظ
ان الفعل المضارع امتداد للزمان في الحال وصورة الحركة الممتدة للفعل
ارجع من الليل مسلوب الضمير وقلبي اعمى
وادفن الدمع وردى وجهي بقيعان الوسايد
اغتسل لين الذنوب ليا غتسلت تروح بالما
كان ما يبقى علي من الذنوب الا القصايد
يستخدم الشاعر كلمة (ارجع) للدلالة على حالة الاستمرار, إلى أن يقول(ادفن) وذلك للأسقاط على الحالة التي يود أن يتناساها ولو بغفوة.,وفي الجزئية الأولى من البيت الثاني يعيد تكرار الفعل في محاولةٍ لجعل المتلقي يسبر أغوار الحالة التي يكونها بخيالاته اللامتناهية ,ويكمل ذلك باستخدام مفردة (قيعان) والتي تعطي الصورة صبغة البيئة التي تضم الشاعر والتي تمنح الصورة أيضاً ميزة الحركة ووقوفها.ولذلك فإن الصورة في قصيدة عاطف الحربي تتحرك بين التشبيه وبث الروح في الجمادات واستخدام الألفاظ والأوزان إضافةً للون والصوت ,إلا أن للحركة تأثير أقوى منهما,فالصوت واللون يستخدمان بشكلٍ مباشر لشدة الحركة أو سرعتها وإما يوحيانها بشكلٍ غير مباشر,وسبب خدمتهما لها أنهما في ذاتهما حركة نتيجةً من الحركة المتصلة والتحول.
*روائى وناقد فرنسى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *