يوميات عروسين فى العام الجديد (ج1)

ذهبت إلى غرفتها فى ليلة باردة من ليالى الشتاء بأخر أيام شهر ديسمبر / كانون الأول ، أشعلت أحد الشموع الحمراء لخلق جو رومانسى دافئ حالم فى الليلة الأخيرة لها بمنزل الأسرة ففى الصباح ستزف إلى مملكتها مفعمة بالحب مكللة بالورد والياسَمين ، على أنغام “رجعت الشتوية” للسيدة فيروز وقفت أمام شرفة غرفتها تراقب بعيون تلمع بالحب الأزهار المختبئة تحت حبات الثلج والنجوم التى تتألق فى السماء ، وإذا فجأة بها تتذكر مقولة الأديب فرنسى الأصل سويسرى المولد جان جاك روسو ” الرجل يحب ليسعد بالحياة ، والمرأة تحيا لتسعد بالحب” فبدأت تفكر كثيراً وتتساءل .. ماذا سيحدث غداً حين أخطوا أول خطواتى نحو حياة جديدة ؟؟

راودتها الكثير من الأفكار حتى إنتابها حالة من القلق تجاه الغد ، كانت تخشى أن لا تستطيع إسعاد زوجها ، تركت الشرفة وجلست على فراشها حاضنة للورود تفكر كيف ستسعد حبيبها ، على الجانب الأخر كان الحبيب يجلس بجوار المدفأة يرتشف كوباً من القهوة رغم تحذيرات الأم من تناولها لأنها تتسبب فى زيادة التوتر وهو أخر ما قد يحتاجه فى تلك الليلة

إرتشف القليل من قهوته الساخنة وراوده نفس السؤال والقلق وكأن قلوبهم كانت على إتصال وظل يتساءل .. يا تُرى هل سأستطيع إسعادها ؟؟ ترك قهوته بعدما إنتابته حالة من الشعور بالحزن الممزوج بالندم بعدما إعتقد أن القهوة هى السبب فى ورود تلك الأفكار عليه ، قام من على مقعده ليستريح قليلاً قبل الليلة الموعودة التى ستبقى بها الأرواح ملتصقة للأبد

فى صباح اليوم التالى تجمع الأهل والأصدقاء والأحباء حتى إمتلأ منزل العروسان بالزغاريد والتبريكات ، إستيقظ العريس من غرفته فى نفس اللحظة التى إستيقظت فيها العروس تعلوا وجوههم إبتسامة تعلن إستعدادهم للحياة الجديدة المليئة بالحب والسعادة

بدأ كل طرف منهم التحضير لليلة الأخيرة بمنزل الأسرة قبل الزفاف إلى عش الزوجية السعيد إرتدى العريس بدلة الزفاف التى إختارها مع عروسه وإرتدت العروس فستان الزفاف الأبيض الذى طالما حلمت به ، لكنها منعت أن يشاهد الزوج فستان زفافها أو حتى يعرف تفاصيله فهذا الأمر يعتقده البعض فى مجتمعاتنا العربية “نذير شؤم” ثم إنطلقا حتى تبدأ مراسم الزفاف

إلتقى الحبيبات وقلوبهم ترفرف سعادة وحب فبعد طول عناء تحقق الحلم وأصبح كل طرف ملك للأخر ، فلا يوجد أجمل من أن يُتوج الحب بالزواج وهذا ما حدث ، بعد يومٍ حافل ذهب العروسان إلى منزلهم لقضاء أول أيام فى حياتهم الزوجية الجديدة السعيدة ، ظل العروسان ينظران لبعضهم البعض دون أن يتحدث أى طرف للأخر وكأن عيونهم كانت تتحدث بلهجة لا يفهمها إلا هما حتى أعلنت دقات الساعة بداية العام الجديد

بدأ العروسان ليلتهم الأولى من منزل الزوجية ، تلك الليلة التى حفرت فى قلوبهم ذكرى ومشاعر لا تُنسى ، فى صباح اليوم التالى إستيقظ العريس بعدما شعر بمرور أحد الورود الحمراء الناعمة على خديه ليجد عروسه قامت بتحضير الفطور وإحضاره له حتى يتناوله فى الفراش ، إبتسم الزوج وأيقن أنه سيدلل كثيراً فى حياته الزوجية وها قد بدأت الحياة السعيدة التى لطالما حلم بها ، وبالفعل عاش الزوجان مشاعر سعادة لا توصف وكأن العالم لا يوجد به إلا هذان الزوجان السعيدين فقط !!

نبضات قلب كل واحدٍ منهم لا تتوقف عن النبض فمشاعر السعادة والحب التى يعيشها العروسان تخطت الحدود وجعلت العام الجديد هو عام ميلادهم الحقيقى ، مر شهر العسل وكأنه ساعة من العسل التى تترك على الشفاه طعمٌ حلو لا يُنسى ، مرت الأيام على الزوجان وبدأ يحل شهر فبراير / شباط بعد مرور شهر العسل الذى كان مروره سريع وخاطف كسرعة البرق

كانت تمر الأيام تشبه فى جمالها لوحة جميلة لأحد الرسامين التى زينها بأجمل الألوان والورود ، إلا أن وقع فى أحد الأيام خلاف بين العروسان ليقطع تلك اللحظات الحلوة التى يعيشونها ، تعامل كل طرف مع الأخر بإنتظار بلهفة تحمل الكثير من الكبرياء فكل واحدٍ منهم ينتظر أن يبادر الأخر بالصلح فسقف التوقعات كان يفوق الخيال حتى إصطدم الطرفان بأرض الواقع ومع أول مشكلة لم يستطيعان التعامل مع الأزمة

بادر العريس بصلح عروسه فهو أدرك للحظة أنها ما زالت عروس تخطوا خطواتها الأولى نحو الحياة الزوجية والأمومة فيما بعد وتحتاج لبعض من التدليل ، ذهب ليقبل رأسها فصارحته العروس بأنها أيضاً تحمل نفس مشاعر الصلح تجاهه ولكن منعها الكبرياء من البوح بذلك حتى لا يشعر بأنها أقل منه كرامة ، جلس الزوجان يمسكان بيد بعضهم البعض يتأملان ما وصلا إليه وتحدث كل طرف للأخر ، هل ما قمنا به هو الصواب ؟؟

فى الواقع ما قام به العروسان يقوم به ملايين الأزواج فى بداية مشوار حياتهم الزوجية ، فكل طرف منهم يتوقع من الأخر الكثير ويرجع ذلك إلى تزييّف الطرف الأخر شخصيته الحقيقية من البداية ، مر الأمر بسلام وبدأت مشاعر أو بشائر الأمومة تطرق الأبواب ، شعرت العروس بشيئٍ ما يتحرك داخل أحشائها ليزف للأسرة نبأ حمل العروس وقدوم الحفيد المنتظر بالطريق

مشاعر الفرح التى كانت تعم الأسرتين تفوق الحدود ، ظل الزوج والزوجة يحسبان الثوانى والدقائق حتى تأتى لحظة ميلاد الصغير ، مضت شهور الشتاء ثم أتى الربيع ليعلن عن تفتيح الزهور والورود ، تبدلت أوراق الأشجار ، ظهر قوس قزح فى السماء ، ثم إكتاحت حرارة الصيف الأجواء مُعلنة مع قدومها حرارة الإشتياق لحمل الصغير الذى أتى للحياة بعد طول إنتظار

حملت الأم صغيرها وإحتضنها الزوج الذى كانت تغمره السعادة بعدما تسنى له أن يدرك ما هى مشاعر الأبوة التى طالما كان يسمع عنها من والده دون أن يعرف لها معنى ، مرت الشهور الأولى فى حياة الزوجان الذين إنضم إليهم الصغير هادئة وسعيدة ولكن سرعان ما بدأت تجتاح الأسرة مشاعر من نوع أخر لم تكن فى الحسبان !!

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *