والقادم ألعن !
مع ثورة التكنولوجيا وتطور حقل الإتصالات تعزز الإتصال الإجتماعي بين الناس وأصبح سهلاً للغاية ولا يوجد فيه أي مشقة أو عناء أو حتى لقاء ، بل أصبح يبدأ و ينتهي (بمسج) أو إتصال مسموع أو مرئي !
غير أن المفارقة العجيبة لذلك التطور التقني إنه قارب بين الناس جغرافياً وباعد بينهم إنسانياً ، فلم تعد روح التواصل الإنساني الحقيقي موجودة كما كانت في الزمانات السابقة وأصبحت المشاعر في هذا الزمان جميعها (إلكترونية) تبدأ وتنتهي (بضغطة زر) !
ومع تعدد التطبيقات والبرامج التي يستخدمها الناس حول العالم و سرعة تطويرها قرأت خبراً أعلنته احدى الشركات التكنولوجية عن عزمها لتصميم تطبيق يكشف مزاج المُتصل ويقترح مواضيع مناسبة للتحدث معه ! وهذا التطبيق يدرس مزاج المتصل و يقدم للمُستقبل لائحة من المواضيع التي يمكن الحديث عنها معه بحسب الحالة المزاجية له و (يافرحة ماتمت).
ليتهم عكسوا الآية ليكشف هذا التطبيق للمتصل الحالة المزاجية للمُستقبل حتى يأخذ ذلك في عين الاعتبار و (مايطولها) وهي قصيرة. أما في حين مراعاة الطرف المُتصل دوناً عن المُستقبل بذلك سوف نُصبح مرهونين لأمزجة الناس ، لا و بل مُرغمون للتعاطي معهم بحسب حالاتهم المزاجية.
فالحزين سوف تصلنا لائحة لنتحدث معه عن معنى السعادة ، والسعيد سوف تصلنا لائحة لنتحدث معه عن معنى الحياة ، ومابين مزاج مُتصل وآخر سوف تتشتت وتضيع حالاتنا المزاجية و قد نفقد حُريتنا كذلك في اختيار ما نشاء من مواضيع لنتحدث عنها حسب رغباتنا.
و بما أنني لا أحب أن أرضخ لأمزجة العالمين و “إن كنت احترمها” كما أحب أن يحترم الآخرون مزاجيتي المُتقلبة لن أتعامل أو استخدم هذا التطبيق السخيف ، وسوف أكون أول من يُطبق المعنى الحقيقي (لخالف تُعرف). فسأتحدث عن ما يحلو لي و يُناسب حالتي المزاجية حينها ، و لن استقبل تلك اللائحة التي سوف يرسلها لي ذلك التطبيق المشؤوم ، و في حال استلمتها فسوف أفعل النقيض تماماً. سأزيد الحزين حُزناً وغماً وهماً ، وسوف (أُنكد) على السعيد في حال كان مزاجي (على كف عفريت). ليس لعدم الانصياع ومواكبة العصر والتقنية لاسمح الله ، لكن تستطيعون القول بأنها (مجرد لعانه) لا اكثر و لا أقل.
فالمُتصل و المُستقبل يجب أن يُراعيان بعضهما البعض ، و لا حاجة في ذلك لبرامج و تطبيقات. فالحالة المزاجية قد تبدو واضحة على الشخص تماماً من مجرد أن يفتح فمه و يقول (الو). لا أدري حقاً إلى أين سوف نصل بالتقنية على مدار السنوات المُقبلة ، وأتمنى أن يكفينا المُختصين شرهم و لا يصمموا برامج تكشف خصوصياتنا و تقتحمها اكثر ، لأنها سوف تكون سبباً رئيسياً في خراب وتشتيت وتفكيك العلاقات الأسرية و الاجتماعية على حد سواء و قولوا (فلانة قالت).
ففي بعض الأحايين نستقبل بعض الإتصالات مرغمين ومُجاملين ولسان حالنا يردد (متى يقول مع السلامة) ولكم أن تتخيلوا لو كان ذلك يظهر للمُتصلين.
وبما إني غصت و سبحت و تعمقت في عالم التقنية أود أن اقترح على الشركات المهتمة بالتكنولوجيا اختراع و تصميم تطبيق لا أرجو بعده إلا الثواب من الله ، و يكون عمله الكشف عن القلوب وإظهار ما تُخفيه النوايا. و حتى أُطمئنهم أنا لا أريد منهم أي مُقابل مادي مقابل هذا الاقتراح العظيم. سوف أكتفي بملايين الدعوات التي سيتم إيداعها في رصيد حسناتي من القاصي والداني في بقاع الأرض ولا تنسوني من دعائكم.
rzamka@
[email protected]
التصنيف:
