هل نحن أقلّ وطنية من الإسرائيليين ؟

سيعطي الصحافيون الإسرائيليون صفة تهكمية مرحة لعجيبة حكومتهم الجديدة، ثلاثية الأقطاب. كانوا قد فعلوا من قبل، ووصفوا حكومة سابقة بأنها حكومة \”الاسحاقات الثلاثة\”. لاحقاً، وصفوا الحكومة المنصرفة بأنها \”حكومة الإيهودين\”.
\”حكومة الرأسين\”، أو حكومة التناوب العمالية – الليكودية على رئاستها بقيت سابقة عرفية اقترحت زعيمة \”كاديما\” على زعيم \”الليكود\” تكرارها بعد نتيجة الانتخابات الطازجة للبرلمان الإسرائيلي الـ 18، فرفض الأخير عرض زعيمة الحزب الأكبر (28 مقعداً للحزب و45 للكتلة) لأنه يقود الكتلة البرلمانية (27 مقعداً للحزب و55 للكتلة).. وبذلك أضيفت في إسرائيل سابقة عرفية أخرى في اجتهادات تفسير بعض مواد قانون تشكيل الحكومات.
الاجتهاد ذريعة خروج مقبولة إنْ وصل الحال إلى استعصاء، لكن تعددت الأسباب الحقيقية بين شخصية (عقدة تفوق المقعد الواحد وفوقها عقدة ذكورية)، وحزبية (النهاية الفضائحية لحكومة التناوب الأولى، وإطاحة \”الثعلب\” بيريس حكومة \”التيس\” شامير بما عُرِف بالمناورة النتة).. وأخيراً وأهمها السبب السياسي، وهو الموقف المتباين والمتضارب من موضوعة الدولتين لشعبين.
بسهولة، ستجتاز حكومة الرؤوس الثلاثة حاجز الثقة في الكنيست، وبصعوبة أكبر عليها أن تجتاز امتحان الثقة الدولي بها.. هذا إذا لم تنفجر في داخلها \”معادلة الابتزازات\” النفعية والسياسية، التي بناها السيد نتنياهو، بابتزاز عطاءاته المالية للحليف الرابع (شاس) بواسطة ابتزازات سياسية من حليفة الثاني (إسرائيل بيتنا).. ثم عدّل الابتزازين، مالياً وحكومياً وسياسياً، بواسطة حليفه الثالث (حزب العمل المتهافت).
وحدها، خرجت الست تسيفي ليفني مرفوعة الرأس وموفورة الكرامة، الشخصية والسياسية، والتزمت كلمتها القاطعة: إمّا حكومة تقبل موضوعة دولتين لشعبين.. وإمّا المعارضة. هذا ثاني موقف عِز بعدما ردّت ابتزاز (شاس) المالي لها، عندما كانت مكلفة بقيادة تشكيل حكومة حزب \”كاديما\” الثانية، وقد كان هذا ابتزازاً رخيصاً قياساً إلى الابتزاز الفاحش والمركب، حزبياً ومالياً وسياسياً، الذي خضع له السيد نتنياهو، عندما أمسك بحبل الإنقاذ في الزمن المستقطع من مهلة التكليف، الذي مدّه له رئيس حزب العمل المتهافت، والهارب من هاوية التلاشي.
التوقعات الآنية تعطي عمراً من ثلاث سنوات لحكومة الرؤوس الثلاثة (أي أكثر بقليل من متوسط أعمار الحكومات وأقل بقليل من العمر الدستوري الافتراضي).. هذا إذا اجتاز \”الغموض الخلاّق\” لبرنامج الحكومة السياسي حول الدولة الفلسطينية امتحان الواقع وتطورات غير متوقعة، أو إذا اضطرت حكومة نتنياهو إلى رفع خمار الغموض عن وجهها بما يدفع السيد ليبرمان إلى الخروج من حكومة الرؤوس الثلاثة، وبخاصة أن حقيبة الخارجية التي سيتولاها ستكشف نارها الحامية عن معدنه، بعد أن تذيب قشرة الدهان.
في التوقعات الرمادية أيضاً، أنْ \”تَحْرَد\” حركة (شاس) مرّة أخرى، وهي كثيرة سوابق الحرد، إذا عجز نتنياهو عن إدارة مالية لابتزازات متقابلة لصالح (شاس) وقطاعاتها الدينية، ولصالح (العمل) وقطاعات الهستدروت وكبار السن، وبخاصة أن وزير الدفاع باراك سيطالب بامتيازات مالية لصالح أمن إسرائيل.
هناك مَن يتوقع أن يواصل نتنياهو ابتزاز شريكيه الديني (شاس) والعلماني الفاشي (ليبرمان)، إذا اضطر لمسايرة شروط أميركا وأوروبا السياسية الخاصة بدولتين لشعبين، عن طريق محاولة استدراج (كاديما) لدخول حكومة \”وحدة وطنية\” بديلاً عن أحد هذين الحزبين.
أيّاً كان نصيب هذه التوقعات من التحقق، فإنّ السيّد نتنياهو لن يجرؤ على ترديد معادلته الفجّة والممقوتة إزاء الفلسطينيين: \”إنْ أعطوا أخذوا، فإنْ لم يعطوا لن يأخذوا\”، لأن الفلسطينيين أخذوا وأعطوا في موضوعة دولتين لشعبين بشكل يرضي العالم، وليس من المتوقع أن يقبلوا بأخذ \”السلام الاقتصادي\” بديلاً عن \”السلام السياسي\”، لأنّ معادلة \”الحل بدولتين\” حزمة سياسية – اقتصادية متكاملة.
في أي حال، اجتازت حكومة نتنياهو الثانية فصل \”الأقوال\” وراوغت بين احترام الاتفاقيات الدولية والالتزام بها، كما بين تقييد الاستيطان غير القانوني وإزالة البؤر الاستيطانية.. أمّا فصل \”الأفعال\” فهو ينتظر اجتياز الفصائل الفلسطينية فصل \”أقوال\” برنامج حكومة الوفاق و\”أفعال\” الالتزام العملي لا العقائدي بمقولة دولتين لشعبين.
كان هناك مَن وجد \”هندسة عكسية\” لغوية وتاريخية في إعلان استقلال إسرائيل وإعلان استقلال دولة فلسطين. ويمكن للفصائل الفلسطينية أن تتوافق على برنامج حكومة وفاق بالاقتباس من صيغة الشق السياسي في الاتفاق الائتلافي الذي عقده نتنياهو مع باراك لتلافي أزمة مع واشنطن وأوروبا و\”الأجندة الدولية\” السياسية.
كيف يحصل أن نبدو أقل وطنية من خصومنا الإسرائيليين؟
الأيام الفلسطينية

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *