هل لغياب الأب ما يعوضه؟ !

[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]عبدالحميد الدرهلي[/COLOR][/ALIGN]

يبدو ان مفهوم الامومة في الثقافة المجتمعية العربية على درجة من الوضوح .فواجبات الام معلنة، ومؤكد عليها وغير خاضعة للتفاوض، ولاي شكل من اشكال التقصير ما يقابله من صفات رادعة معدة سلفاً من الاهمال، موت الضمير، الخ .لكن الثقافة المجتمعية العربية تهمل او تتجاهل عن قصد او بغير قصد، بحسن نية او بسوئها، مفهوم الابوة فتجعله ترفاً اختيارياً، وهي بالكاد تحدد وتؤكد على واجبات الاب باستثناء التركيز على جانب واحد هو الناحية المادية الذي قد يطاله التقصير هو الآخر، مما يجعل الابوة في المجتمعات العربية مفهوما غامضاً متفاوتاً من اسرة لاسرة، لا يحدد ملامحه غير درجة وعي الاب وثقافته وفهمه للابوة من خلال تربيته الاسرية وثقافته .
وتبرز المشكلة حين يكون الاب غير مدرك وغير واع لدوره المحوري في الاسرة، اذ ليس ثمة واجبات محددة ومؤكدة عليها ومعروفة سلفاً، كما هو الحال عند الام .المشكلة حين يكون الاب جاهلاً، لا يفهم واجباته تجاه اسرته، زوجته وابنائه .وليس ما هو اسهل امام الاب الذي يعي ولو جزئيا دوره كأب ان يتفاخر بقيامه بذلك امام زوجته والناس او حتى امام ابنائه فكأنه يقوم بما ليس مفروضاً عليه .
اما الام في المجتمعات الشرقية، فعليها، العطاء ثم العطاء والصمت لان ما تقوم به هو ببساطة واجبها الذي لا يمكن الا وتجد ثغرات تقصير فيه حسب المفهوم الواسع للامومة والمثبت والمؤكد عليه والذي لا يحتمل اي شكل من اشكال التفاوض او التحاور او النقاش .وننسى اننا بذلك نظلم الابناء بالقدر نفسه الذي نتسبب فيه بالاذى للامهات .
افكار راودتني فيما كنت استمع لاحدى قريباتي التي اعتادت على تغيب الزوج بسبب سفره للخارج للعمل بحجة تأمين الحال، ولما كان تأمين الحال هو الآخر مصطلحاً براقاً فضفاضاً فقد جرت السنوات السنوات، وغدت مشاركة الاب في مسؤوليات الاسرة محدودة، وتتضاءل مع مرور الزمن حتى تم تغييب دوره بشكل شبه كامل .
وقد تحولت مسؤولية البيت والاولاد حملاً ثقيلاً تنوء تحت ثقله الام، فيومها موزع بين مهام العمل وتأمين مستلزمات البيت وتدريس الاولاد .واصبح الاب غريباً عن اسرته وابنائه لا يعرف عنهم غير اسمائهم وملامحهم التي تتغير من سنة لاخرى في ايام قليلة هي كل ما يراهم فيها حتى صفوفهم يخلط بينها .
كم آلمتني شكواها وقد بدت منهكة جسدياً ونفسياً، وحالتها العصبية يرثى لها، تقول، انها تضرب ابناءها في النهار، وتتجرع مرارة الندم في الليل، غياب الاب امر قاس، ولكن الاكثر قسوة الاحساس بأنه الحاضر الغائب ! التفكير بأنه يمكن ان يتحقق حضوره بقرار جريء يتخذه بالتوقف عن الجري وراء تأمين الحال الذي بدأ يتسع بحيث تحول الى تجميع وتكديس المال، لا بل انه لا يبدي التقدير لثمن غربته الباهظ الذي يدفعه الزوجة والابناء .
والغربة ليست السبب الوحيد لغياب دور الاب، فأحياناً يكون الاب الحاضر الغائب، فهو قد يعمل بدوام جزئي او كامل .
لكن دوره في اسرته شبه مغيب، ويخضع للمزاجية .فقد تقلص نشاطاته الاجتماعية خارج نطاق الاسرة هذا الدور، وقد يكون الوقت المتاح له للوجود مع اسرته غير نوعي، فقد يقضيه بمشاهدة التلفاز او استقبال الضيوف، او ..ويهمش دوره في اسرته دونما ادراك او وعي لاهمية هذا الدور .
واتساءل هنا، هل لغياب الاب ما يعوضه؟ هل المال او الملابس الغالية الثمن، والهدايا قادرة ان تسد فجوات الافتقاد والغياب في نفوس الابناء؟
هل لفقدان القد وة والمربي والسند ما يعادله في مقدار الضرر وحجم الخسارة للابناء؟
وهل للثغرات وللخسارات الفادحة في بنية الابناء التربوية ما يعوضها بالمال؟
وهل المال – كل مال الدنيا – يعادل لحظة تواصل بين الاب وابنه؟ !

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *