هل عاد جنود \"سليمان\" عليه السلام ؟

[ALIGN=LEFT][COLOR=blue] يوسف اليوسف[/COLOR][/ALIGN]
لم يّكد يخبو حُزننا على رحيل رمضان الذي انسل من بيننا سريعاً،حتى أجَج الله تعالى مشاعرنا وقلوبنا فرحاً بحلول أشهر الحج وما فيها من خير وثواب .. أشهر حُرم ، وحَج ، وليالٍٍ عشر .. وقد اختار الله سبحانه وتعالى ولحكمة بالغة أن تكون المناسك والحرمين الشريفين في هذه البقاع الطاهرة .. حيث توارثت الأجيال من قديم الزمان شرف خدمة الحجيج وكانت لهم الحجابة أي (مفتاح الكعبة المشرفة) والسقاية أي (سقيا زمزم ) والرفادة وهي(إطعام الحجيج) وكذا الحال في يوم التروية وهو اليوم الذي يتروون فيها إبلهم ويتروون من الماء لأنه لم يكن إذ ذاك بمنى آبار ولا عيون،وكان شرف هذه المهام لقصي بن كلاب.
ثم انتقلت بعد وفاته إلى هاشم بن عبد مناف ، الذي يُذكر أنه أول من سن الرحلتين لقريش (رحلتي الشتاء والصيف)، وهو أول من أطعم بمكة (الثريد ) أي الخبز بعد أن يقطع قطعاً صغيرة يسكب فوقه مرق اللحم مع اللحم .. ثم بعد ذلك انتقلت إلى عبد المطلب الذي قام بحفر بئر زمزم بعد أن رُدمت في عهد الجراهمة إلى أن جاء الإسلام ثم توالت عهود كثيرة إلى أن صارت بحمد الله تعالى إلى هذا العهد الميمون الذي جمع بين محافل الكرم ومجامع السخاء.. أما الكرم فهو ككرم قريش وأما السخاء فهو كسخاء حاتم الطائي الذي قال :
أوقد فإن الليل ليل قرى
والريح يا موقد ريح صر
عسى يرى نارك من يمر
إن جلبت ضيفاً فأنت حُر
وأما عن الإعجاز في عمارة الحرمين الشريفين ، فلقد أعجز وصف عمارة الحرمين والتوسعة وصف أعظم الواصفين .. وفاق دقيق جماله نظم أعذب الشعراء المبدعين .. وحَيرَ ت متابعة نظافة وطهارة ساحاته ومساحاته الناظرين .. وحار في كرم أهله وخيرهم الجزيل الحجاج والزائرين .. فما استطاعوا أن يحصروه وما اسطاعوا له وصفاً…ولقد كان الوصول قديماً إلى هذه البقاع الطاهرة والتنقل فيها أمراً صعباً وشاقاً لطبيعة هذه المناطق .. فَسَل الجَمل والجَمَال .. والراكب والراجل عن مقدار عنائهم للوصول للحج والعمرة ملبين ومهللين وكيف كانوا يضربون أكباد الإبل بالليالي والشهور حتى جعل أحد الشعراء مكانة سامية للعير التي أوصلته المشاعر المقدسة.
والآن .. سَلْهُم عن حالهم الذي يَسَره الله لهم بفضل الجهود الخارقة والإنفاق السخي الذي بذله القائمون على خدمة الحرمين الشريفين. وسَلْهُم عن سهولة ورحابة أحدث الطرق البرية الآمنة التي أوصلتهم للمشاعر.. وسَلهُم عن الموانئ الجوية والبحرية وما أُعد فيها من حسن استقبال وراحة وأمن ، ومن مدن فاخرة وجميلة للحجيج ، وأسطولاً وطنياً عريقاً ومميزاً يحملهم على متنه بأمان .. وأينما حللت ونظرت رأيت نعيماً وعجباً .. وبصدق كنت أحدث نفسي وأهلي دائماً كلما تشرفنا بزيارة الحرمين الشريفين : تُرى هل عاد جنود سليمان عليه السلام من جديد وسخرهم الله فصنعوا الخوارق وعمروا هذه البقاع الطاهرة ؟! فهذه التوسعات الهائلة وشق الأنفاق وإزالة الجبال الضخمة وتعمير مناطقها بهذا الرقي والجمال وفي زمن قياسي مع توفر أفضل الخدمات للحجيج , فكأن جنود سليمان عليه السلام قد عادوا وسُخروا لهذا الإعمار الشاق والإعجاز البديع ؟! الحقيقة إنها الهمم الصادقة.
أما عن زمزم فلها عند بعض الحجيج قصص جميلة أذكر منها أنه كان قد منّ الله تعالى على امرأة مسنة بالحج فبعد أن وصلت الرحلة بسلام إلى موطن تلك الحاجة..أقام أهلها حفل استقبال لها،وشاع أمر وصولها ومعها ماء زمزم .. فلما سمعت إحدى قريباتها المريضة بعودتها،أصرت أن تذهب للقائها ولتشرب من ماء زمزم.. فساعدها أهلها تارة يحملونها وتارة تستريح إلى أن وصلت وبقيت طيلة اليوم تشرب من ماء زمزم وكل من حضر،نظراً لأن الحاجة كانت قد صبَت ما ء زمزم الذي أهدته الخطوط السعودية لها في جالون كبير ، ثم صبّت عليه ماءً عادياً بارداً ليكفي للزائرين..
ثم قامت إليهم تسقيهم بسقيا وبركة ماء زمزم الممزوج مع الماء فصار الماء بطعم وبركة زمزم وأخذت تدعو لهم ويُؤمٍنوا بعدها فشربوا جميعاً، إلا أن هناك خيراً وبركة ساقه الله لتلك المرأة المريضة، فقد عادت بعد قضاء يومها إلى حارتها مشياً على الأقدام دون مساعدة أحد ،فقط تتوكأ عصاها فرحة مسترجعة قصص الحج المشوقة التي حكتها قريبتها مع يقينها بأن ماء زمزم لما شُرب له،فالحمد لله على نعمة الإسلام ونعمة الحج والأمن وزمزم وسائر النعم .. ألا تقبل الله تعالى من الحجاج حجهم وأعادهم سالمين غانمين، وجزى الله خادم الحرمين الشريفين وحكومته الرشيدة خير الجزاء على ما قدموه ويقدمونه .. وحقيقة لكِ يا مشاعر حنين وأشواق.. ولكَ يا مليك في القلوب خالص المحبة والدعاء .
[email protected]

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *