من يعيد لنا قيمنا المسلوبة؟
[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]فهد بن محمد علي الغزاوي[/COLOR][/ALIGN]
قالت والدتي غفر الله لها.. يا ولد عندما تأتوا من الحرم وكان ذلك في إجازة الصيف في رمضان في أشد شهور الصيف حرارة: عندما تدخل (الدهليز) فادخل بهدوء أنت وأخوك ولا تزعجوا النائمين الصائمين فهؤلاء شقاوية، تعني أنهم من العاملين الكادحين. فعلاً كنا ندخل بهدوء حتى نصعد إلى المجالس والمبيتات وهي غرف قليلة بجوار السطح فنجد بعد الظهر الكل استيقظ في البيت فهناك من يصلي وهناك من يقرأ القرآن وأما الوالدة والجدة والعمة ـ رحمهن الله ـ تجدهن يعملن في المطبخ لإعداد طعام الإفطار، ففي السحور يوقظننا لكي نتسحر معهن، فمن يستطيع الصوم منّا يصوم ذلك اليوم، ومن لم يستطع فكانت رحمها الله تضع له (المهلبية أو السوقدانة أو الألماسية) في الطشت، وكان في الطشت ماء حتى لا يأتي إليه النمل وهناك أيضاً السمبوسة لنفطر بها ونذهب للحرم لندرس عند أحد المشايخ وكان آنذاك الشيخ/ عاشور رحمه الله. هذا الشيخ كان من الرعايا الحضارم المقيمين في مكة، وهو من أهل العلم حيث كانت حلقة الدرس لديه متسعة وكبيرة يلتحق بها الكثير من طلاب عوائل مكة المكرمة. وأهم ما يميز هذا الشيخ الجليل رحمه الله أن لديه عصا كبيرة ربط بها حبل غليظ وفي مؤخرتها عقدة حيث تصل إلى نهاية الحلقة، فإذا رأى الطالب غير مدرك لما يقوله تناوله بالعصا ليلفت انتباهه لما يقول. وكان أهل مكة المكرمة شغوفين بالعلم وتعليم أبنائهم وعدم ضياع وقتهم حتى في إجازات الصيف. فهم دائماً ما يبحثون لهم عن عمل لدى أي صانع فكان بعضهم يلحق أبناءه لدى الصاغة والبعض الآخر لدى بعض المحلات التجارية آنذاك أو يدرسونهم في الحرم الشريف عند أحد المشايخ، كانت مكة المكرمة ملتقى طلبة العلم من جميع أرجاء المعمورة لا أقول من داخل المملكة فقط بل ومن خارجها، فجاءها طلبة من جميع مدن مملكتنا العزيزة من الرياض والقصيم والحسا والمدينة والجنوب وقرى مكة المكرمة. أقبل الجميع على مكة يطلبون العلم على أيدي مشايخها في الحرم المكي الشريف فجاءها أيضاً إخوة كرام من دول الخليج واليمن وقطر والإمارات وعُمان ومصر وسوريا للتدريس في المدارس أو حلقات العلم في الحرم الشريف فكان للمدارس الأهلية نصيب كبير منهم مثل مدارس الفلاح والصولتية وغيرها من حلقات العلم المنتشرة في المسجد الحرام، أذكر من هؤلاء الأساتذة الأفاضل: الأستاذ/ أحمد عبدالله والأستاذ/ عبدالجبار والأستاذ/ محمد نور سيف رحمهم الله وغيرهم هؤلاء النفر من العلماء أثروا الثقافة المكيّة وحملوا مشاعل العلم لتدريس أبناء مكة المكرمة، جزاهم الله عنّا خير الجزاء. مازلت أتذكر أن لأهل مكة (إتيكيت) فكنت لا أستطيع الدخول إلى مجلس جدي لوالدي رحمه الله الشيخ/ عبدالقادر غزاوي عضو مجلس الشورى آنذاك بدون غطاء الرأس، وكان رحمه الله يستضيف كثيراً ممن يجده في طريقه كل يوم للغداء، كنت أرى كل يوم وجوهاً جديدة على مائدة الغداء التي كنت مع أخي أحد معدِيها في فرش (السفر) ورص الطعام والوقوف بالماء على المدعوين. فكنّا لا نتناول الغداء إلا بعد انصراف الضيوف. الكل في مكة في (سوق الليل والقشاشية والغزة والمدّعى وزقاق الوزير وزقاق ملائكة) يعرفوننا من وجوهنا فيبادروننا بالقول: أنت ابن فلان؟ فنقول نعم. كنّا نحسب للناس في الشارع ألف حساب سواء من المارين أو أصحاب المراكيز الكبيرة أو الدكاكين، وكان للمعلمين قيمة شخصية وكرامة ذاتية واحترام وإجلال كبير لدى أهل مكة وأبنائهم. فالكل يعرف سلوكك وإذا صدر منك أي تصرف خطأ فإن الخبر ينتقل للوالد سريعاً. الكل يشترك في تربيتك وتعليمك وتهذيبك وتقويمك! فالخادمة والجارية وأهل الدكاكين كلهم مسؤولون أمام الله ثم أمام والديك. أقول ذلك والكثير من أندادي يعرفون هذا لكن الكثير من أبنائنا اليوم لا يعرفون هذا. فأحببت أن أوضح القيم والمبادئ التي نشأنا عليها وترعرعنا في ظلها، التي كانت سائدة، ولا أقول بادت، ولكنها سُلبت بأفعالنا وإهمالنا حتى لم يعد لها مكان بيننا اليوم ولا اعتبار في مجتمعنا. من المؤسف حقا أن المعلم أصبح اليوم محلّ استهداف واستهتار، فضاعت هيبته وقلّ اعتباره وانحطت كرامته أمام طلاّبه.. فانحدرت القيم لدى الطلاب، ولا شك أن لهذا أسبابًا، منها انحدار مستوى المعلم المهني والخلقي والثقافي فأصبح المعلم ليس لديه معايير احترام ذاته وتقييم عمله، فمعلم اليوم لا يرى فرقاً بينه وبين الطالب، فالبعض من المعلمين يصحبون الطلبة إلى المقاهي ويتناولون الشاي والشيشة والدخان ويتناولون المزاح والهرج والمرج، فأصبح الطالب وكأنه زميل للمعلم في الصف وليس له اعتبار آخر، كما شارك في هذا الانحطاط الخلقي والمهني والثقافي (المدرسة والبيت والمجتمع بأكمله) إضافة إلى ذلك تسيُّب الأنظمة التربوية والتعليمية، فليس هناك احترام ولا إجلال ولا تقدير للمعلم، فحقه ضائع وشخصيته يُستهان بها لعدم تأهيله التأهيل المناسب القوي الذي يحسن موقفه أمام الطالب، فصادف أن التقت جميع هذه العوامل وكونت فراغاً تربويًّا وعلميًّا وخلقيًّا.. فنرى المعلم مثله مثل نافخ الكير فالكل يتأذى من انحطاط مكانته. وها نحن اليوم نشاهد المعلم يُضرب ويُهان وتُهدر كرامته، فمن يعيد لمجتمعنا مكانته وللتعليم هيبته وللمعلم قيمته؟!
التصنيف:
