هل يوجد أمانة أكبر من حياة البشر؟ أبدأ بسؤالي هذا الموجَّه لأمانات المناطق عامة، بعد أن بدا لي مؤخرا أن مهام الأمانات تتلخَّص في تعليق الأعلام والصّور وشعارات التهليل والترحيب في مواسم معيّنة وفي شوارع محدودة ومحدَّدة من كل مدينة حيث تمر سيّارات سوداء مبتسمة راضية مرضيّة. بين ليلة وضحاها يتبدّل الزي الكامل لهذه الشوارع الفخمة المحظوظة بميزانيّة على هامش الميزانيّة وبتفاني محمود ومطلوب لدرجة أن تسلك نفس الطريق صباح اليوم التالي وتحدِّث نفسك: متى تم كل ذلك.. الأمانات تعمل والناس نيام.. ما هذه الأمانة..!
ثم تتّجه سيارتك لليمين لتخرج عن مسار الشارع المحظوظ تبع النّاس المحظوظة، فيأتيك ما يذكِّرك بأن حاسة الشّم لديك تعمل بشكل جيِّد، وما تلبث أن تقع عيناك على حفر الموت مصدر الروائح، وهل هناك أبشع من رائحة الموت..؟ وتتبدّل المشاهد وتتبدّل الروائح وتتبدّل الأحاسيس، وقد كنت قبل ثوان في شارع لسان حاله يقول “حنّا بخير، وأكثر”. تتذكّر أسماء الأطفال الذين تساقطوا واحدا تلو الآخر في تلك الحفر المنتنة، وأسماء أبائهم الذين سقطوا خلفهم وأمهاتهم اللواتي سقطت قلوبهن في نفس الحفر فأصبحت أجسادهن خاوية كالهشيم. تترحّم على أرواح الموتى وتدعوا الله أن يحفظ أطفالك وتمضي مكسور الجناح خائب الأمل وقد ضاع البلاغ الذي قدّمته للأمانة قبل شهور من نظام الأمانة، وضاع الغطاء المؤقت الذي أمّنت به فتحة وأخرى، فعادت مكشوفة وبأتم الجاهزيّة لاستقبال المتساقطين.
المهمّة رقم أحدعشر على موقع أمانة جدّة الإلكتروني هي كالتالي: متابعة المرافق البلدية والتنسيق مع الجهات المعنيّة بالأمانة وخارجها لمعالجة أي سلبيّات وقصور وصيانة مثل الحفر الوعائية وطفوحات شبكات الصّرف الصِّحي وانسداد شبكات تصريف مياه الأمطار وشبكات المياه الحلوة. أتمنى أن تشرح لنا الأمانة هذه المهمّة على ضوء تنصُّلها من مسؤولية حفر الموت. وبسؤالي هذا أختم: قبل أن تؤمَّن الحفر، كم صورة تستحق أن تُعلَّق وكم طفل يستحق الموت؟..

 

@tamadoralyami
[email protected]

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *