كم تستمر الأزمة .. وكيف ستنتهي؟

[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]د. محمد مخلوف [/COLOR][/ALIGN]

كم من الوقت سوف تستمرّ الأزمة المالية العالمية؟ حتى عام 2010 أم 2011 أم أبعد من ذلك؟ أسئلة يطرحها كُثر اليوم. إن الطرح بهذه الصيغة ينضوي على شيء من الإجابة حيث يبدو الأمر وكأنه يتعلّق بـ «عاصفة» وتمرّ؛ ثمّ تعود الأمور إلى مجرياتها الطبيعية. بل لا يرى أصحاب هذا الرأي احتمالاً آخر لما بعد الأزمة سوى العودة إلى ما قبلها.
ولا شك أن رؤية العالم في إطار الاستمرارية أكثر سهولة من رؤيته عبر «منظار» التغيّر. بالطبع مثل هذه المقولة تغدو أكثر قبولاً إذا ارتبطت المصلحة بالواقع القائم. ويذهب المتفائلون أكثر إلى حدّ القول أن للأزمة الحالية منافعها إذ سيصبح النظام المالي العالمي بعدها أفضل اتساقا وفاعلية وتوازنا وبحيث لا يستطيع أي «محتال» أن يقبض المليارات من أموال الآخرين. وستغدو المنافسة في الأسواق أكثر نزاهة وشفافية.
مثل هذه النظرة المتفائلة حيال المستقبل لا يشارك فيها آخرون ممن يقرعون طبول الخطر، وبعضهم من رجالات الإستراتيجيات الاقتصادية المرموقين. وليس أقلّ هؤلاء شأنا «آلان مينك»، صاحب العشرات من الكتب «الرصينة» .
والباحث الاقتصادي الفرنسي ربما الأكثر شهرة في العالم، الذي اصدر قبل أيام قليلة كتابا تحت عنوان «عشرة أيام هزّت العالم»، ويقصد الأيام الأولى لاندلاع الأزمة المالية العالمية. هذا العنوان يدفع مباشرة إلى الذهن كتابا آخر شهيرا صدر قبل عقود وتُرجم إلى اللغة العربية يحمل نفس العنوان «عشرة أيام هزّت العالم» للصحافي الأميركي «جون ريد» عن الثورة البلشفية.
ما يؤكده «آلان مينك» هو أن الأزمة سوف تنتهي ذات يوم. لكن العالم لن يكون عند نهايتها كما هو اليوم. وبعد أن يؤكّد أيضا أن القواعد التي تحكم النظام المالي العالمي ستتغيّر ،يقدّم عددا من «السيناريوهات» التي يراها ممكنة الوقوع؛ وكلّها مثيرة للقلق رغم أنها تبدو سريالية. لكن ألا يتجاوز الواقع الخيال أحيانا؟! إنه يرى مثلا إمكانية أن تشتري مجموعة «غازبروم» الروسية شركة «توتال»، «زهرة» الصناعة البترولية الفرنسية. ستهب عندها ،كما يقول، موجة من الغضب الإعلامي والشعبي في فرنسا وسترد الحكومة بتأميم «توتال».
لكن المشكلة الحقيقية يحددها بغياب أية إستراتيجية أوروبية للطاقة. ونقرأ أيضاً عن «سيناريوهات» تقول بـ «اجتياح الصين لتايوان» ؛ واحتمال «بيعها لسندات الخزينة الأميركية» التي تمتلكها، وهي كبيرة لدرجة أنها قد تؤدي إلى انهيار الدولار وبجريرته الاقتصاد الأميركي كلّه.
وفي أوروبا قد تؤدي تداعيات الأزمة، حسب «آلان مينك» دائما،إلى مطالبة سكوتلندة «ديمقراطيا» باستقلالها الكامل عن بريطانيا ؛ و«تفكك بلجيكا» التي تعاني أساسا من شرخ وطني على قاعدة شرخ لغوي. وربما أيضاً «تفكك اسبانيا «على خطاها» عبر انفصال إقليم «الباسك» عن التاج الاسباني.
بالنسبة لمنطقتنا يتم تحديد «السيناريو» الأكثر إثارة للقلق والأكثر احتمالا ،برأي «مينك» في قصف إسرائيل «بمبادرة ذاتية منها» للمنشآت النووية الإيرانية ،وبحيث تقوم الولايات المتحدة مباشرة، ووراءها الغرب، بـ «تغطيتها». إنها الشرارة التي قد تولع الحريق الكبير. نكتفي بهذا القدر من ذكر ما يعدنا فيه «مينك» من أفق مقلق. إنه قد يخطئ وغيره من أصحاب القراءات المستقبلية المتشائمة. وقد يتوصّل أصحاب القرار الكبار في العالم إلى الإحاطة بالأزمة.
وربما تكون قمّة العشرين المكرّسة لمعالجة الأزمة المالية في لندن يوم 2 ابريل القادم خطوة أولى في هذا السبيل ،رغم أجواء التشاؤم «المسبقة» وتأكيد أكثر من خبير أن هناك خطرا حقيقيا في كون الاستعداد للإنفاق «أقل بكثير من المطلوب» للخروج من حالة الكساد المسيطرة.
لكن هناك كذلك احتمال ،بنسبة ما، أن تكون قراءات المتشائمين للمستقبل فيها بعض الصواب. بكل الحالات ما يبدو واضحا لحالة العالم اليوم هو أن الأفق ملبّد بالغيوم. وواقع منطقة الشرق الأوسط هو من بين الأكثر «تلبّدا» و«تبشيرا» بالنزاعات. لكن باستثناء ما نراه من محاولات المصالحة ،المطلوبة والمرغوبة، و«ترميم العلاقات المعطوبة» ،ليس هناك ما يشير إلى فعل أي شيء جدّي حيال الأخطار المهددة. لا شيء يمنع، بل أكثر من شيء يسمح بالقول أن منطقتنا مرشّحة كي تكون مسرحا لمواجهات جديدة، خاصّة إذا سُدّت الآفاق أمام حلول للأزمة المالية العالمية الراهنة. عندها قد تكون الحروب هي مخرج الهروب إلى الأمام، وهذا ليس اختراعا جديدا. ثم إن إسرائيل جاهزة للعب دور «اليد الضاربة»، فهذا ما تتقنه و«تتطوّع في تنفيذه» وما تربّت عليه أصلا منذ قيامها. إنها باختصار حبيسة دائمة لـ «منطقها العسكري». ثمّ إن ملامح الوضع «المختلط» في الشرق الأوسط اليوم تسمح بالقلق.
البيان الإماراتية

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *