كلمات فتاكة!
منذ أن يفتح الصغار أعينهم من النوم صباحاً.. وهم يُقلّبون قنوات التلفاز المختلفة من محطة لأخرى.. بدءاً بكل قنوات الصغار.. ثم الكبار.. العربية والأجنبية.. وحتى ساعة نومهم القادمة.. وهم لا يُشاهدون إلا متمرّدين وأسلحة مدمرة.. وحروباً ومعارك طاحنة.. بدءاً بالساموراي والنينجا.. وحتى القنابل المدمّرة والغزاة القادمين من الفضاء الخارجي…. (طاخ طيخ .. كراك.. بوم..).. (الدمار الشامل.. الهلاك للجميع .. سوف أقضي عليك .. حان وقت القتال ..) حتى الفتيات الصغيرات لم يسلمن من تلك الدوّامة الدائرة بالأبطال الجبابرة والخارقين للطبيعة.. حيث تشكلت فرق كاملة من هؤلاء الصغيرات الناعمات .. فقط للقتل والتدمير.. ثم بعد ذلك نأتي لنتساءل.. (من أين تعلم صغارنا العنف والنرفزة والعصبية الزائدة والعناد.. والمصطلحات الغريبة..؟ )
نحن من وضع الكلمات الفتاكة في أفواه الصغار.. وبصمنا عليها بالسب والشتائم والكلمات البذيئة.. الخارقة لكل مراحل الطفولة وبراءتها.. والمدمّرة لكل صفات الهدوء والطاعة والاستقرار.. لن نتوقف.. ولن نمل من تكرار الموضوع نفسه.. ما دامت الظاهرة لا تزال موجودة.. وما دام فيضان العنف لا يزال مستمرّاً على مشاهد أطفالنا ومسامعهم.. وما دُمنا لا نُحاول وقف ذلك النزيف المستمر من أفلام ومسلسلات العنف المقدمة لصغارنا على مدى النهار والليل.. وما دامت المؤتمرات والتوصيات الخارجة منها بوقف تلك المشاهد المُؤذية على مستقبل الأمة وحاضرها.. يتم حفظها في الأرشيف ضمن ملفات متراكمة ليبني عليها الغبار بيوت العناكب والانتظار.. فسوف نظل نتعرّض لتلك الظاهرة التي لا تتوقف عن الدوران في بيوتنا وبيوت الآخرين.
وما دامت دور السينما والشركات المنتجة تحصل في نهاية كل موسم على الملايين من الدولارات.. حصيلة تلك المعروضات على سمع وبصر الأجيال الجديدة.. فسوف نظل نقذفها بكل أنواع الحروف الحادّة.. والكلمات الجارحة .. لتقف في مكانها.. ولتهدأ عواصفها وأعاصيرها الفتاكة.. والتي تجتاح كل المناطق الآمنة.. والآهلة بالصغار والمراهقين…
ما الذي يحدث يا ترى..؟ وشركات الإنتاج لا شغل لها ولا شاغل إلا عصر آلاتها وكاميراتها لإخراج كل تلك المواد الإعلامية المدمّرة على مستوى العالم بأكمله.. لنأتي نحن بكل ما نحمل في جيوبنا من أموال ومدخرات قيمة.. لنحوّل تلك الأصوات إلى اللغة العربية.. واللهجات المحلية.. حتى نُقرّبها إلى أطفالنا أكثر.. وحتى نشعرهم بأن كل تلك الأمور المهلكة والمدمّرة إنما هي أحداث عادية.. يُمكن أن تمرّ بالمرء في أي زمان ومكان.. حتى بات فعل التدمير والقتل أمراً عادياً جداً مع الأطفال الذين أصبحوا يُمارسونه علناً وأمام أعين الكون بأجمعه.. عن طريق الألعاب الإلكترونية.. وألعاب الكومبيوتر.. فمن يقضي على الآخر.. يكون هو الفائز.. من يُدمّر أكبر عدد من المدن والقرى.. يكون هو المنتصر.. من يبطش بأكبر عدد من البشر .. يكون هو المسيطر.
فكيف نُوقف ذلك النزف من مشاهد العنف وأفلامها على مد السمع والبصر..؟ ومن الذي يُمكننا أن نحمله المسؤولية الكاملة إزاء ما يُقدّم للصغار عبر قنوات التلفاز..؟ هل هم القائمون على إنتاج تلك الأفلام..؟ أم هم العاملون على دبلجتها وعرضها للصغار..؟ أم هم المسؤولون عن القنوات الفضائية المخصصة للأطفال..؟ أم نحن الآباء والأمهات لسماحنا بدخول تلك المنتجات إلى بيوتنا دون رقابة..؟ في النهاية.. الجميع مشترك في المؤامرة الدنيئة القاضية بانتهاك براءة الصغار.
التصنيف:
