قطار .. الدمام الطائف الباحة
[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]بخيت طالع الزهراني[/COLOR][/ALIGN]
** سأحاول أن أتخيل نفسي أقف أمام محطة قطار الدمام – على شاطئ الخليج العربي – وفي جيبي بطاقة تذكرة الدمام – الطائف- الباحة، وأنني خلال بضع ساعات سأجد نفسي منطلقاً من أقصى الشرق السعودي, ميمماً بوجهي شطر الغرب الأوسط، ثم الجنوب الغربي من البلاد , في رحلة ترفيهية سياحية , أبدأها برؤية مياه الخليج الرقراقة , فصحراء النفود الذهبية ، فمعالم العاصمة الرياض، ثم كامل الخط العرضي لنجد، فمرابع الطائف المأنوس، إلا أن تحلق بنا عربات القطار فوق جبال السروات الشاهقة ، مرة عبر أنفاق تخترق الجبال , ومرة على سفوحها الملتحفة بأشجار العرعر، حتى نحط رحالنا وسط مدينة الباحة .
** سيقول أحدكم لماذا هذا الخيال , وكيف نشأ ، وما هو مغزاه ؟.. وأقول لكم بالأمس – وأنا أكتب هذه السطور- كنت أجيب دعوة قنصل اليابان في جدة إلى مناسبة عامة بالقنصلية ، وعندما هممنا بالخروج بعد انقضاء الحفلة ، كان عدداً من موظفي القنصلية يوزعون علينا بعضاً من الكتيبات، ووجدت بينها كتيباً عنوانه \”تجول بالقطار عبر اليابان\” وبقدر ما أثارتني مادة الكتاب ، فقد شدتني كذلك الصور المرافقة فيه ، للكثير من الجزر اليابانية بشواطئها وجسورها وأشجارها وقطاراتها التي شكلت العمود الفقري للمواصلات أو النقل في ذلك البلد ، الذي قفز في الثلاثين سنة الماضية، إلى بؤرة ذاكرة العالم، وصار يشكل ثاني اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة .
** واسمحوا لي أن أحدثكم عن حكاية \”النوم الفاخر\” في قطار \”كاشيوبيا اكسبريس\” الذي كثيراً ما تكون رحلاته الرابعة عصراً، ثم طيلة الليل، إلى أن تنتهي الرحلة عند الثامنة صباحاً، بعد سبعة عشر ساعة من السفر (هو ليس قطاراً سريعاً) ولكنه يصلح لتجربة العصر الذهبي لقطارات السكة الحديد الماضية ، حيث يقطع مسافة 1200 كم وسط أجواء من الفخامة والمتعة، وأغلب ركابه العرسان الجدد أو كبار السن ممن يريدون استعادة جزء من روعة الماضي، ويوفر هذا القطار أجنحة الواحد منها يتألف من صالون وحجرة نوم ديلوكس أو حجرة بسريرين، وليس فيه مقاعد عادية ، والركب يصعد إلى الحجرة العلوية لمشاهد مناظر الطريق ، وعندما يشعر بالنوم يهبط إلى حجرة النوم المزودة بدش للاغتسال ، ومرحاض ، وحوض غسيل، ومناشف وأردية بسيطة داخل حجراته، وتلفون، وتلفزيون بقنوات فضائية, وجرسونات يحضرون لك القهوة والطعام الذي تريد.
** أما النوع الثاني من القطارات فهو (شنكنسن اليابان) أو \”الطلقة\” والذي بدأ الخدمة عام 1964م خلال استضافة اليابان للأولمبياد الصيفي، فكان ذلك هو الحدث المذهل الذي قدمته اليابان للعالم على هامش ذلك الحدث الرياضي، وسرعته تصل إلى 300كم/ ساعة بعد التطويرات التي أحدثت فيه مؤخراً، ويمتاز بزيادة سرعته من السكون إلى 270كم/ساعة خلال ثلاث دقائق، وتصميمه يبدو مثل طائر مفرود الجناحين.
** وخلال كتابتي لهذه السطور عشت معاناة عدد من الأصدقاء (وهي حكاية تتكرر عندنا كثيراً) عندما توفي أحد أقاربهم في الرياض وارادوا اللحاق بالصلاة على الميت من جدة ومن الباحة.. ولم يجدوا حجزاً فورياً على الطيران، لأن هذا (من سابع المستحيلات) أن تجد حجزاً فورياً، إن لم تكن قد حجزت قبل سفرك بعشرة أيام على الأقل (مع وجود الواسطة).. فما هو الحل؟..
الحل في نظري هو في إقامة شبكة قطارات واسعة، تشمل كل أرجاء بلادنا من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها.. خصوصاً وأننا قد تأخرنا كثيراً في هذه الناحية، وبلادنا أشبه ما تكون بالقارة ، ولن يخدم ظروف الناس الطارئة وغيرها إلا وجود مواصلات سريعة وآمنة مثل القطارات الحديثة, كتلك الموجودة في اليابان وغيرها.
** وزارة النقل عندنا بدأت مؤخراً محاولة وضع اللبنة الأولى لعصر القطارات السعودية، وكنت مثل غيري فرحاً وأنا أسمع مخاض ولادة هذا الحدث السعيد، الذي أرجو أن يرى النور قريباً، وأن تكون الالتفاتة لهذا النوع من وسائل المواصلات رؤية استراتيجية يقطف ثمارها المجتمع عما قريب، بحيث يمكن لأحدنا أن يتجول في أي بقعة من بلاده في اللحظة التي يريد سواء عند الظروف الطارئة، أو للسياحة، أو لنقل البضائع والمسافرين، بدلاً من الأسلوب التقليدي الحالي السفر بالسيارات بكل مخاطرها وحوادثها المزعجة.
[email protected]
التصنيف:
