قصة الكرواسان
أ.د. محمود نديم نحاس
تتكرر الرسائل الإلكترونية التي تتكلم عن أمور تاريخية لا يعرفها كثير من الناس، فتحاول إلقاء الضوء على عداوات سادت في الزمن الماضي. ومن أمثلتها رسالة فطيرة الكرواسان. وهذه الكلمة فرنسية تعني الهلال. وتذكر الرسالة متى وأين ولماذا تم صنع الفطيرة بشكل الهلال، فقد كان الهلال شعار الجيش العثماني، وقد تم صنعها احتفالاً بالانتصار عليه في أوروبا، ليذكّروا الناس أنهم إنما يأكلون عدوهم بأكل فطيرة تشبه شعاره. وتزعم الرسالة أن هذه القصة موجودة ضمن مقرر دراسي لطلاب المدارس في إحدى الدول الأوربية ليعلموهم العداوة للمسلمين!
قلت لمن أرسلها لي: إن شعراء قريش هجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن المسلمين لم ينقلوا شعرهم فمات. وهذه القصة التاريخية لا داعي لنقلها حسبما أرى، لأن معظم الغربيين لا يعرفونها فلماذا نذكّرهم بها؟ ثم إن معظم المسلمين لا يعرفونها أيضا. فإذا كانت في كتاب مدرسي فعلى المسلمين في ذاك البلد أن يتقدموا بشكوى للمحكمة يطالبون فيها بحذف القصة. وبهذه الطريقة نحل المشكلة. والمفروض أن نسعى للتعايش لنستطيع نشر الإسلام. أما الحروب فتدفع الناس للتمسك بما عندهم ولو كانوا على خطأ. وأضرب مثلاً من السيرة، فبعد صلح الحديبية وضعت الحرب أوزارها وانتشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية، بل بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بمراسلة زعماء الدول الأخرى. والإسلام سينتشر – كما نص الحديث – ليدخل كل بيت. فهل نكون مساعدين على نشره بالحكمة والموعظة الحسنة؟ أم نضع العصي في العجلات؟ فنذكِّر الناس بالثارات القديمة؟ ولننتبه أن الشعوب الغربية في معظمها مسالِمة، وأقول الشعوب وليس المسؤولين الذين يتقلدون المناصب، فهؤلاء شيء آخر، ومع ذلك فبلادهم مفتوحة للدعوة بالطرق الصحيحة.
وبالمناسبة فإن موسوعة الويكيبيديا ذكرت قصة الكرواسان لكنها قالت (وأختصر هنا من النص الإنجليزي): هناك عدة نقاط ضد هذه القصة التي يرويها فقط الكتّاب الذين يتكلمون عن الطعام دون أن يذكروا مرجعاً معاصراً أو كاتباً من تلك الفترة. وهذه الأساطير مازالت تنتشر أكثر من الروايات الموثّقة.
ورسالة أخرى وصلتني مراراً عن ترجمة كلمة مسجد إلى الإنجليزية mosque وادعاء أن لها معنى غير جيد، وتطلب من الناس ألا يستخدموها، بل عليهم أن يستخدموا كلمة مسجد بأحرف لاتينية masjid. وعند العودة إلى معجم وبستر تبين أن الكلمة العربية (مسجد) انتقلت إلى الإسبانية فصارت mezquita ثم إلى الإيطالية moschea ثم إلى الفرنسية mosquée إلى أن صارت mosque بالإنجليزية. ولا أدري من أين جاءت القصة المزعومة.
المطلوب من الأمة التي علّمت الأمم الرواية والإسناد وعلم الجرح والتعديل ألا تروي قصة بلا إسناد. فهل نعي هذه الحقيقة؟ وهل آفة الأخبار إلا رواتها؟
كلية الهندسة، جامعة الملك عبد العزيز
التصنيف:
