عمر بن عبدالعزيز
نقف اليوم في رحاب علم من أعلام المسلمين، وشخصيًة من الشخصيّات العظيمة، مع الرجل الذي لم يكن قمة في الزهد فحسب، ولا قمّة في العبادة فحسب، ولا قمة في الورع فحسب، وإنما كان قمة في ذلك كله، فكانت حياته قمماً شامخات في كل ذلك، مع الرجل الذي أقبلت عليه الدنيا بخيلها ورجلها، فأعرض عنها، رغبة في النعيم المقيم في جوار رب العالمين، مع الرجل الذي كانت حياته معجزة، الرجل الذي ملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً، إنه عمر بن عبدالعزيز، رحمه الله تعالى. ثامن الخلفاء الأمويين، ويلقب بخامس الخلفاء الراشدين، ويرجع نسبه من أمه إلى عمر بن الخطاب فأمه هي أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وبذلك يصبح الخليفة عمر بن الخطاب جد الخليفة عمر بن عبدالعزيز .
من شدة ورعه، كان عمر بن عبدالعزيز لا يحكم على أحد متعجلاً، مخافة أن يظلمه، بل يتروى ثلاثة أيام قبل أن يصدر الحكم على رعيته. لم يحكم هذا الرجل الفذ طويلاً، فقد كانت مدة خلافته على الأرجح عامين وخمسة أشهر، عرف الناس خلالها عدلاً لم يعهدوه قط، كيف لا وقد كان بيت مال المسلمين يفيض بالخير والبركة ويكفي حاجيات الرعية ويزيد، والدليل على ذلك عندما كان عدي بن ارطأه والياً لعمر بن عبدالعزيز على البصرة كتب اليه ان أناساً من العمال قد اقتطعوا من مال الله عز وجل مالاً عظيماً.. لست ارجو استخراجه من ايديهم الا ان يمسهم بشيء من العذاب.. فاستأذنه في ذلك.. فأجابه عمر.. اما بعد فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب بشر.. كأني لك جنة من عذاب الله.. وكأن رضاي عنك ينجيك من سخط الله عز وجل.. فأنظر من قامت عليه بينه عدول فخذه بما قامت عليه البينة.. ومن اقر لك بشيء فخذه بما اقر به.. ومن انكر فاستحلفه بالله العظيم وخل سبيله وأيم الله لئن يلقوا الله عز وجل بخيانتهم أحب الي من ألقى الله بدمائهم والسلام.
كان عمر بن عبدالعزيز يدرك عظم الأمانة الملقاة على عاتقه، وأنه مسؤول عن كل فرد في رعيته ، فلذلك نجده دائم التفكير فيما يصلحهم فقد اهمه وقوفه بين يدي ربه، وماذا يقول له إذا سأله عنهم يوم القيامة، فيذكر ابن كثير: أن زوجته فاطمة بنت عبدالملك دخلت يوماً عليه وهو جالس في مصلاه واضعاً خده على يده، ودموعه تسيل على خديه، فقالت له: ما لك؟ فقال: ويحك يا فاطمة قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة، والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير، والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة، وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت أن لا تثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي فبكيت.
اشتهرت خلافة عمر بن عبدالعزيز بأنها الفترة التي عم العدل والرخاء في أرجاء البلاد الإسلامية حتى ان الرجل كان ليخرج الزكاة من أمواله فيبحث عن الفقراء فلا يجد من في حاجة إليها.
إن أهم ما يميز منهج عمر في سياسته، حرصه على العمل بالكتاب والسنة، ونشر العلم بين رعيته، وتفقيههم في الدين وتعريفهم بالسنة، ومنطلق عمر في ذلك فهمه لمهمة الخلافة، فهي حفظ الدين وسياسة الدنيا به، فهو يرى ان من أهم واجباته تعريف رعيته بمبادئ دينهم، وحملهم على العمل بها، فورد عنه انه قال في احدى خطبه: “إن للإسلام حدوداً وشرائع وسنناً، فمن عمل بها استكمل الإيمان، ومن لم يعمل بها لم يستكمل الإيمان، فلئن اعش أعلمكموها وأحملكم عليها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص”. وقال ايضاً “فلو كانت كل بدعة يميتها الله على يدي، وكل سنة ينعشها الله على يدي ببضعة من لحمي حتى يأتي آخر ذلك على نفسي كان في الله يسيراً”. وفي موضع آخر قال “والله لولا أن أنعش سنة أو أسير بحق، ما احببت أن اعيش فواقاً”.
للتواصل 6930973
التصنيف:
