شيخ الأزهر والرحيل المفاجئ
عبد الله فراج الشريف
فاضت إلى بارئها روح شيخنا فضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر، يوم الأربعاء 24-3-1431هـ ، الموافق 10-3-2010م، وهو يتهيأ للعودة إلى القاهرة بعد أن شارك في الحفل السنوي لتوزيع جائزة الملك فيصل العالمية، بعد رحلة طويلة في خدمة دينه وأمته، فلم ينشغل في حياته كلها بغير العلم والهم الاسلامي، وكان نموذجاً للعالم المجاهد بعلمه، المجتهد في كل فنونه، فلا تزال رسالته للدكتوراه عن بني اسرائيل في القرآن والسنة بحثاً فريداً يحتذى لكل طامح للحصول على الدرجة العلمية بإبداع، ولا تزال مرجعاً مهماً في مجال الدراسات المتعلقة ببني اسرائيل، وتفسيره الوسيط للقرآن المتداول في خمسة عشر مجلداً يظهر لكل مطلع عليه علم شيخنا الغزير في فروع متعددة من العلم الشرعي وعلوم الآلة لفهمه، فهو منذ دراسته بالأزهر يمثل التفوق المبدع.
وأما في مجال تخصصه فإبداعه لا حدود له، وقد عرفته وأخذت من علمه منذ أن حضر لبلادنا وشارك في انشاء الدراسات العليا في الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة وتولى عمادة كليتها، ثم تكررت اللقاءات معه في الأزهر وخارجه، ولمست ما كان عليه – رحمه الله- من دماثة خلق وحسن معاملة، ونبل موقف حاسم في قضايا العصر ، حتى وإن كان له فيها مخالفون، وقد كنت دوماً أتمنى على كل مشتغل بالعلم أن يلتزم بآداب الحوار عند كل اختلاف يطرأ له مع مثله من العلماء، فاقوه علماً أو رأى نفسه أعلم منهم.
فالاختلاف لا يميز المواقف فيه إلا التزام آداب الاسلام في الحوار، أما إذا سقط المخالف في بؤرة الذم والانتقام ومحاكمة النيات، فتلك بوادر هزائمه، وقد كان أكثر المختلفين مع الشيخ – رحمه الله- من هؤلاء الذين يهزمون أنفسهم بمفارقتهم لأدب الاسلام وقيمه عند التحاور معه، وفاز رحمه الله بصبره عليهم وإعراضه عن أسلوبهم في رده عليهم، ونرجو الله عز وجل أن يجعل في ميزان حسنات شيخنا كل ما أوذى به من تهم مجانية ومحاكمة لنياته، فتضيف إلى حسناته وتحط من سيئاته إن كان له منها نصيب، وقد علمناه صالحاً ما بينه وبين ربه عامر، يسعى لكسب رضا الله بطاعته، وتجنب معاصيه.
وإنا لنسأل الله أن يثيبه الثواب الأوفى لقاء ما قدم لأمته ودينه في جهاد واجتهاد في ميدانه، رحم الله الشيخ واسكنه فسيح جناته.
ص ب 35485 جدة 21488 فاكس 6407043
التصنيف:
