سيول جدة وقنبلة هيروشيما
[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]بخيت طالع الزهراني [/COLOR][/ALIGN]
** المعطيات التي افرزتها الاسابيع الثلاثة لما بعد \”الأربعاء الاسود\” الذي اجتاح بسيوله الهادرة شرق جدة، بدأت تفزر رؤى أكثر وضوحاً، لدى الناس في الاحياء المنكوبة خصوصا، حيث بدأت ملامح \” اسباب الكارثة\” تتكشف قليلاً قليلاً، يحدث هذا من خلال جلوسك إلى أولئك الناس، والاستماع إلى ما يطرحونه من فرضيات في مجالسهم الخاصة، ولا حديث فيها يعلو على \”صوت كارثة السيول\” !!
** وبحكم قربي من أولئك الناس، وأيضاً اتصالي اليومي بموقع الحدث، فقد كانت الرؤية العامة أن الامطار التي هطلت على الجبال الشرقية لجدة صباح ذلك اليوم المشؤوم، قد وجدت هذه المرة \” نقاط عبور مفتوحة\” لم تكن موجودة من قبل، عندما قامت جهات رسمية معروفة، بفتح اخاديد كبيرة في جبال كانت تحجز السيول وراءها، كمصدات طبيعية لها على مدى الزمن الماضي، فانطلقت منها السيول كطلقات المدافع، تجتث الاخضر واليابس أمامها، حتى وصلت بذات العنفوان والقوة الهائلة، إلى مواقع سكنية، بعضها في بطون الاودية، وبعضها في غير ذلك، لتطحن الناس والمركبات والبيوت والشوارع، ولتصل الى مشارف حي الجامعة، وعمائر الاسكان الجنوبي في ساعات قليلة كأنها العمر كله !!
** وبقي السؤال المهم الذي يردده الأهالي المعنيون بالكارثة شاخصاً ، وسيظل كذلك لفترة طويلة .. كيف قام هذا المسؤول أو ذاك بهذه الخطأ الفادح، ولو كان يعي هذا أو تلك الخطورة العظيمة لما أقدم عليه بشق الجبال، وتحويل اتجاهات السيول، وفتح ثغرات له، انطلق منها كالسهم ، ليسجل في واقع الأمر اكبر كارثة سيول تشهدها السعودية، على الاقل في تاريخها المعاصر، بعد ان بلغت قسوتها وغضبها حداً ، جعلها تطهر الناس تحت الوحول والطين والرمال، ليظلوا في جملة منهم، في عداد المفقودين حتى اللحظة.
** وهناك في واقع الأمر سؤال قلق يعتمل في نفوس السكان حالياً ، هل تم خلال الايام الماضية البدء فعلا بإعداد استراتيجية جديدة لتلافي تكرار الكارثة، فحتى هذه اللحظة لم تعلن أية جهة \”خدمية\” البدء في صياغة مشروع كبير، يمكن له ان يوقف هدير وزحف السيول على شرقي جدة، فيما لوحدثت امطار غزيرة أخرى – وهذا محتمل – على الجبال الشرقية لجدة ، ووادي فاطمة والجموم وغيرها من الاودية، بحيث يطمئن الناس، إلى أن اجراءات جديدة وفعالة سيتم العمل عليها، لإيقاف مخاوف الناس من السيول، خصوصاً والاحياء المتضررة قد بدأت تعود للحياة رويداً رويداً .
** وهناك حقيقة من يردد: ما الذي تنتظره حتى الآن الجهات الرسمية الخدمية، بدءاً بأمانة جدة، ومروراً بإدارة النقل والدفاع المدني ، وانتهاء بوزارة الزراعة والمياه، من أن تعلن ائتلافاً فيما بينها، لتشكيل \”خارطة طريق\” تعمل بشكل واعٍ، وبإمكانيات كبيرة، ودعم واسع، لاعداد خطة فعالة لحماية جدة من مخاطر السيول، واشاعة حالة من الأمان والاطمئنان للكثير من الأحياء الكبيرة، الواقعة في شرقي المدينة، بأن \”مخاطر السيول\” صارت شيئاً من الماضي \”قولاً وفعلاً\”.
** أنا ومعي الكثيرون بالطبع ، نعرف أن جدة مدينة غالية على قلوبنا كسائر أجزاء الوطن السعودي الكبير، ونتطلع حقيقة إلى أن تتحول المحنة التي مرت بها إلى محنة، وأن يعاد وضع النقاط على الحروف، بكل أمانة وصدق وشفافية، وإن لم تجعلنا هذه الكارثة نصحو – جميعاً – ونعيد ترتيب أوراقنا، والافادة من معطيات الحدث، فمتى نصحو؟ .. إن بلاداً غيرنا شهدت دماراً أعظم مما شهدته جدة، ولنا العبرة بهيروشيما ونجازاكي بعد القنابل الذرية التي سحقتها، ولكنها انتفضت من تحت الركام، لتكون رقماً صعباً في المحافل الدولية، فما الذي لايجعل جدة تستنسخ التجربة اليابانية على الأقل ، ونحن نملك القوة والارادة مثلهم ؟ أظن أن هذا هو التحدي، وهذا هو وقته \”أن نكون أو لانكون\”.
التصنيف:
