[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]محمد بن أحمد الشدي[/COLOR][/ALIGN]

لا تزال في ذاكرة شريحة من الناس في البلاد العربية قصة شيخ قبيلة عرف بالفروسية وحسم المعارك لصالحه وقومه حتى أصبحت قصصه على كل لسان، واصبح له مجلس يضرب به المثل واذا حج يتبعه آلاف الرجال، واقام المساجد ودور العلم.
وكان ذلك الشيخ الجليل يتمتع بالمناقب العظيمة التي يتحلى بها عادة شيوخ العرب من إشاعة العدل والمساواة والحرية وجمع الشمل ورعاية الضعفاء بل كان يتميز بنظرة عميقة الى ضرورة الاستقرار والتعمير والبناء والاشتغال بالتجارة والزراعة في المنطقة التي كان يقطنها. وهي منطقة اشتهرت بالخصوبة ووفرة المياه والرزق الوفير مما ساعده في اقامة حياة تحيط بها الرفاهية والعيش الرغيد.
وامتثلت الناس من حوله الى تلك النظرة الحضارية فازدهرت في عهد ذلك الشيخ بلاده ازدهاراً كبيراً، واجتذبت اليها عدداً من القبائل المحيطة والمتاخمة، واصبحت قوة لا تجاريها أو تنافسها قوة اخرى.. هكذا تقول الروايات المروية عن تلك الايام للشيخ أبو سليمان المظلوم!! وكان شيخ القبيلة قد عرف معنى الديمقراطية قبل ان يعرفها عالم اليوم، فقد اهتم بالنابهين من رجال القبيلة وقربهم اليه ولاسيما الفرسان الذين زاد عددهم على أربعة آلاف فارس فوزع عليهم المسؤوليات والواجبات وجعلهم رؤساء على أفخاذ القبيلة وفروعها وأسرها. واشتد في البذل والسخاء عليهم حتى افتقر أو كاد، واستمر على ذلك النهج حتى شاخ وتقدمت به السن قليلاً وازدهرت ديرته واتسعت مراعيها.
وفي ليلة ليلاء فوجئ الشيخ بشلة مارقة من فرسان القبيلة يدخلون عليه ويطالبونه بالتنحي عن رئاسة القبيلة لانه لم يعد المؤهل الأقوى من ناحية الفروسية والمال، وانهم أحق منه بقيادتها. قالها أصلفهم بكل جرأة على الحق بصوته الأجش وأخواله من ذئاب جبال يقفون خلفه، نظر إليهم ذلك الشيخ بحزن وألم وقال: هذه ليست أخلاق الرجال الفرسان، وسوف تندمون على عملكم هذا اشد الندم، وستكونون السبب في انهيار القبيلة وضعفها وشتاتها.
أما أنا وأهلي فسنغادر غداً ونترككم للأطماع والصراع الذي سوف يعصف بكم عاجلاً غير آجل. وخرج الشيخ بأهله وأتباعه متنكباً ديار أهله يملأه الحزن والكمد وانتهى في طوايا التجاهل والنسيان بعد حياة حافلة بالخير والسؤدد والمجد، لقد مات بعد ثلاثة أشهر من خروجه من حياضه وموطنه، وقيل مات مسموماً في أرض يمام، ودفن في مقبرة (باينة) وتاه العديد من ابنائه في الآفاق، وتوزعوا في البلدان بعد ان غيروا أسماءهم، وبقي له حفيد ظل يغرس ساقه في الصحراء يبحث عن ذاته وأهله وكيانه فسماه من رآه ساق على الصحراء لكثرة خطواته على تراب جزيرتهم!!
لقد اشتعل التنافس والصراع بعد رحيله من وطنه بين أولئك الغادرين وكثر بينهم القتل والدماء حتى طمع الآخرون وقضوا عليهم بالسيف واصبحوا عبرة لمن يعتبر.

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *