[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]حصة العوضي[/COLOR][/ALIGN]

كلما مرّ الأسبوع وحان موعد الزيارة العائلية الأسبوعية .. أبدأ بتحضير حقيبتي الصغيرة التي أحملها معي دائمًا في هذه المناسبات.. التي أحمل فيها حاجياتي الخاصة التي أحتاج إلى استخدامها خلال ذلك النهار.. من تلك الحاجيات بعض الحلويات والبالونات المختلفة.. وأحيانًا بعض الألعاب الصغيرة التي أحملها للصغار الذين يتصادف وجودهم هناك في بيت العائلة..وكلما كنت أقوم بتجهيز تلك الحقيبة ترنّ دائمًا في أذني كلمات التهديد والتحذير التي أسمعها في كل مرة أحملها فيها إلى بيت العائلة.. مثل شقيقتي التي تنذرني بأنها ستقوم بالحجر علي وعلى بطاقاتي المصرفية حتى لا أبدد أموالي في تلك الحلويات والألعاب الكثيرة والبالونات.. التي تسبب لهم الكثير من الفوضى والإزعاج.. وما تسببه للأطفال من تدمير حالتهم الشكلية وتلطيخ ملابسهم بالحلويات وغيرها مما ينالونه منها.. ومن طفلي الذي يعاتبني دائمًا حين أقدم للصغار هدايا وألعابًا جديدة في كل مرة أراهم فيها .. ومن الأوصاف الساخرة التي أسمعها أحيانًا وأنا أضع كل تلك الحاجيات في صندوق سيارتي.. ممن حولي في منزلي.
ورغم كل ذلك.. ورغم كل تلك التحذيرات والتعليقات الساخنة والصريحة أحيانًا.. إلا أنني أجد نفسي أبحث كل أسبوع في المجمعات التجارية ومحلات الألعاب عن أشياء جديدة وصالحة للتوزيع على الصغار.. غير عابئة بتلك الأصوات في أذني التي تندد بي وبتلك التصرفات التي أعتبرها تصرفات تلقائية لا يمكنني تغييرها أو حتى استبدالها بتصرفات أخرى..أحيانًا أرى نظرات الاستنكار في عيونهن.. وكأنهن يلمنني على تلك التصرفات غير المقصودة حقًا .. لكنني أدعي دائمًا أنني لا أعي تلك النظرات ولا أفهم ما تعني .. ولست على استعداد للتراجع الآن وفي هذه اللحظة بالذات.. وخصوصًا أنني أنتظر بفارغ الصبر دخول أول الأطفال لأبدأ في توزيع ما لدي في حقيبتي المليئة بالمفاجآت والتي يطلق عليها بعضهم أحيانًا (حقيبة الحاوي).
ترى هل يكون من الخطأ إسعاد الصغار مرة كل أسبوع .. ولو حتى بحبة من الشيكولاته أو الحلويات .. أو حتى بالبالونات الملونة .. التي تجعل الابتسامة تشرق فوق وجوههم وقلوبهم ؟.. هل يكون من الخطأ تعويدهم على عادة معينة لا ضرر منها فقط من أجل إدخال الفرحة إلى قلوبهم ؟.
هؤلاء الصغار أصبحوا ينتظرون موعدي.. ويترقبون حضوري.. ويعلنون قدومي لبعضهم البعض .. فهذه القريبة تحمل لهم في كل مرة المزيد من الحلويات والألعاب.. وتحمل لهم في حقيبتها دائمًا الكثير من المفاجآت الجميلة.. فلماذا لا يتهافتون إليها عند وصولها ..؟؟ ولماذا يمتنعون عن البحث بين حاجياتها وأوراقها عن أشياء جميلة خاصة بهم فقط؟ .. أشياء تبعث الدفء والفرح إلى حياتهم.. أشياء تحول لهم تلك الأشياء الصغيرة إلى مصدر للبهجة والفرح.. وتفتح لهم آفاقًا جديدة للتفكير في البدائل الكثيرة الموجودة على سطح هذه الأرض.. والتي لا يزالون يجهلونها ويجهلون طرق الوصول إليها .. كما يعلمون أنها لا تبالي بما يقوله الآخرون.. ولا تهتم بما ينكره عليها الكبار من العائلة.. ربما لأنها تفكر مثلهم .. وربما لأنها تعرف قيمة الفرح والبهجة في حياتهم.. وربما لأمور أخرى يجهلونها .. وتجهلها هي أيضًا .. وكأنها تسير دون إرادة منها .. من أجلهم فقط .. ومن أجل إسعادهم.
ليس من عادتي أن أرى طفلاً يتقدم مني بالسلام دون أن أتقدم له بالمحبة والعطاء .. وتلك الأشياء الصغيرة التي أقدمها لهم ليست إلا جزءًا بسيطًا من رغبتي في اقتحام قلوبهم وأعماقهم .. ومن ارتباطي بهم وبعالمهم الصغير من جهة .. والممتد من جهة أخرى .. حيث يحملني للتحليق معهم في ذلك العالم الكبير .. أغرس بعض الأغصان التي أتمنى أن تنمو يومًا في أذهانهم .. وتثمر لهم بالمعرفة والحصيلة الثقافية الجيدة التي يمكنها أن تهيئ لهم الدرب للسعي في بناء مستقبلهم الزاهر المزروع بالآمال والأحلام والطموحات الكثيرة الجميلة.
وحينما أغيب وأسافر تغيب حقيبتي المشاغبة عن المكان .. وتغيب حلوياتي وبالوناتي الشقية .. ويبقى الصغار يتساءلون عني متى أعود .. ومتى تعود إليهم تلك الأشياء المزعجة التي يظل يشتكي منها الكبار طول النهار .. لكنها فقط مرة في الأسبوع .. مرة واحدة يمكنني فيها أن أخرج من ذاتي .. لأعيد سيرتي الباقية للأبد .. سيرة تلك الطفلة التي لا تكبر مهما دارت الأيام .. ومهما مرت السنون.

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *