رشا ونفح الطيب -6-
[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]محمد بشير علي كردي[/COLOR][/ALIGN]
اعتادت رشا أن تسجل قبل النوم أحداث كل يوم من أيام الرحلة في سجل الذكريات الذي يرافقها حيثما رحلت، عرفتُ أنها عادة دأبت عليها منذ أن أخذت تعي ما يجري حولها من أحداث على نطاق الأسرة والمدرسة والجيران ومدريد وإسبانيا ومن بعد العالم لارتباطه بقضية فلسطين وفك أسر مدينة السلام. قالت لي وقد انتهينا من تناول وجبة الفطور واقترب وقت العودة إلى مدريد بأنها عجزت عن تسجيل شعورها لحفلة أمس بما تستحقه الأمسية من جمل الثناء، فقد أجاد العازفان باكو ومانويل، ولعبا بأوتار قلوب الحضور وهما يلعبان بأوتار آلة الغيتار، وتمكنا من إغراء البعض بترديد الموشحات الأندلسية، وفي بعض الوصلات الموسيقية تمكنا من محاكاة آلة العود كتحية تقدير وعرفان لزرياب.
اتخذ موكبنا الطريق الزراعي، ومر بأطلال مدينة الزهراء. توقف موكبنا لأكثر من مرة لنرد التحية والسلام لعدد من معارف مضيفنا، أهدانا أحدهم سبت فاكهة من مزرعته، كما قدم لنا آخر جرة عسل متمنيا للجميع أن تكون الأيام القادمة حلوة مثل عسل منحلته في الحلاوة. وخرج موكبنا من الطريق الزراعي إلى الطريق العام باتجاه محطة القطار، وهناك كان الوداع حارا، وأخذنا وعدا من صديقنا الأندلسي بأن يكون اللقاء القادم في مدريد، وتمنت رشا على والدها، عند وفاء مضيفنا بوعده ويزورنا في مدريد، بأن يرتب مع صديقه العم فرناندو تمضية نهار كامل في مزرعته بأرانخويث ليتعرف على والد خوان ولنتمتع جميعنا بمشاهدة عرض للفروسية، فخيول العم فرناندو مشهورة برقصاتها على إيقاع الموسيقى، فوعدها خيرا. وتحرك القطار ورشا تداري دمعا في عينيها، فقد صعب عليها فراق من شملونا بكرمهم ومحبتهم، وفي تقديرها أن الزمن مر سريعا خلال هذه البوينتي، وأقرتها والدتها بقولها لها :هكذا يمر الوقت الجميل، ولذا علينا أن نستمتع بكل مناسبة سارة، وإذا لم نجدها أمامنا علينا أن نبحث عنها، أو نخترعها، لنخفف ضغوط هذه الأيام السياسية والاقتصادية. في القطار اختارت رشا الكرسي المجاور لي، وأخرجت سجلها، وطلبت تعريف الموشحات، فقلت لها بأنها فن شعري مستحدث، يختلف عن ضروب الشعر الغنائي العربي في أمور عدة منها التزامه بقواعد معينة في التقنية، وبخروجه غالبا على تفعيلات الشعر العروضي، وباستعماله اللغة الدارجة أو العجمية في خرجته، و باتصاله القوي بالغناء.وسألت عن أشهر شعراء الموشحات في نظري فأجبتها بأنه أبو حسن علي الضرير الشهير بالحصري، من شعراء المعتمد بن عباد، ولا زالت موشحاته تغنى حتى اليوم وأشهرها الموشح الذي مطلعه:
يا لَيْلَ الصَّبِّ مَتَى غَدُهُ
أَقِيَامُ السَّاعَةِ مَوْعِدُهُ
رَقَدَ السُّمَّارُ فَأَرَّقَهُ
أَسَفٌ للبَيْنِ يُرَدِّدُهُ
وأخذت رشا من بعد في السين والجيم، متى تعرفت على والد خوان لأول مرة؟ لقد التقينا به في بيتكم أكثر من مرة، واعتقد أنني التقيت به معك في أكثر من مناسبة من تلك المناسبات التي يقيمها المركز الثقافي الإسلامي بمدريد، وهل هو مسيحي الديانة أم على دين الإسلام؟ لقد شاهدتكما قبل شروق شمس هذا اليوم وأنتما تؤديان معا صلاة ما قبل طلوع الشمس وأعتذر لاختلاس النظر. قلت لها بأن صلاة ما قبل طلوع الشمس تسمى صلاة الفجر، وصديقنا الأندلسي عاد ليشهر تمسكه بدين أجداده مع صدور قانون حرية الأديان في أسبانيا عام 1967 م (1387هجرية)، وهو عربي الحسب والنسب، ولدى أسرته شجرة العائلة التي توصله للجد الأول عبد الرحمن الحافظ، والحافظ كما عرفت منه لحفظ جده الأول للقرآن الكريم، وكان من بين الأوائل الذين قطعوا الشمال الأفريقي ودخلوا الأندلس برفقة موسى بن نصير، وتعرفين بأن دولة الإسلام قد انطوت صفحتها في هذه الديار قبل خمسة قرون، ولم يكن لأجداده وقتها من خيار إلا التنصر أو الرحيل، فاختاروا البقاء في الأندلس واكتسبوا الأسماء الكاثوليكية، التقيت به لأول مرة على متن الخطوط السعودية وأنا في طريقي من جده إلى مدريد، وكان بيننا تعارف فحديث فموعد فلقاء فصحبة فأخوة في الله.
عادت الابتسامة إلى وجه صغيرتي رشا وأخذت تدندن بينها وبين نفسها بجملة من أغنية لنجاة الصغيرة: ورجعت، ما أحلى الرجوع إليه، إليه، إليه. وما هي إلا لحظات وقطارنا يدخل محطة أدوتشا بمدريد. حمدنا الله على السلامة، وافترقنا على أمل لقاء قريب بعون الله.
التصنيف:
