رؤية .. عائض القرني والخطبة المقتولة
>> \” حاجتنا ماسة الى معاهد لتعليم الخطابة في كل مدينة، وقد فعلتها مصر وتركيا واندونيسيا، اما ان نترك منابرنا حقول تجارب للأميين واشباه المتعلمين
يعجنون عليها الكلام، ويطحنون الحديث، ويعذبون عباد الله، فهذا خطأ \” منهجي \” ..ما تقدم ليس كلامي ولا هو من جعبتي والا لقيل – ربما – انه نوع من الحيف ..
ولكنه بحذافيره كلام الشيخ الدكتور عائض القرني في \” الشرق الاوسط \” الثلاثاء الماضي ٨١ رجب ٩٢٤١هـ ..ضمن مقالته التي عنونها بـ \” لا تقتلوا خطبة الجمعة \”
حيث أجاد وأفاد معاً، في تطويل غير ممل، وإيجاز غير مخل ..عندما عرض لما يمكن أن أصفه بانه المواصفات الجيدة لخطبة الجمعة ..من ألفها الى يائها .
>> الشيخ القرني أصاب كبد الحقيقة، وهو يروي حكايات مضغوطة لخطباء يصعدون المنابر ليتعلموا الخطابة على حساب حشد كبير من المصلين، جاءوا في اقصى حالات الاستعداد النفسي، للافادة من الدرس الاسبوعي الايماني، الذي كان يمكن له، لو تم اتقانه، لبدل حياة الامة، واثرى فكرها، واقام المعوج، وأطَّر السلوك، وحرر العقول من اللبس، وانار الطريق للحيارى ..لكن للاسف تحولت خطبة الجمعة في العديد من المساجد الى كلام ممل، يتطاير في الهواء، ولا يباشر القلوب، ولذلك فلا غرابة وانت في المسجد يوم الجمعة، اذا تلفت يميناً وشمالاً ورأيت هذا اقترب من النوم، وذاك يطأطئ رأسه من النعاس، والثالث يتثاءب ..او كما يقول الشيخ عائض \” فبعض الخطباء يقرأ من اوراقه بصوت ضعيف، ولحن ظاهر مع كثرة التنحنح والسعال والشهيق والزفير والعطاس \” .
>> ولعل من الملاحظ ان مثل هذه المسألة انما هي في الواقع من ألصق الامور بوزارة الشؤون الاسلامية، ومما يمكن ان يقال انه احد الحيثيات التي تزيد من وجاهة الدعوة الى الالتفات الى المسجد بشكل عام، وقيام تنظيم رسمي له، ضمن اطر مقننة، مثله مثل مؤسسات المجتمع الاخرى، واظن انه سيكون مكرراً لو اسهبت في هذا الموضوع، بعد ان كنت قد عرضت في مقال سابق تحت عنوان الحاجة الى \” مأسسة المساجد \” بمعنى الحاجة الى قيام تنظيم رسمي للمسجد، وهو الذي يستحق منا ان نبذل له ومن اجله الكثير والكثير، ليكون ليس موقعاً لاداء الصلوات فحسب، بل منارة اشعاع فكرية وتنويرية في كل ركن من اركان مدننا وقرانا،
بضوابط ومعايير تحت اشراف رسمي، تضمن تقديم المخرجات التي تفيد الامة في دنياها واخراها .
>> والواقع انه ليس خطبة الجمعة التي تحتاج الى خطباء متمكنين، ومن ذوي البصر والبصيرة، والحكمة والنضج والفقه والاقتدار، ولكن كذلك الجانب الدعوي هو الآخر بحاجة الى التفاتة مهمة، ضمن خطة علمية، أو كما أسماها الشيخ عائض \” منهجية \” بحيث تقوم معاهد لتخريج الدعاة، اذ لا يكفي ان يكون احد الناس متحمساً وغيوراً ولديه الرغبة، فكل الناس متحمسون لدينهم وغيورون ولديهم الرغبة في نشر الخير والفضل، ولكن المسألة تحتاج الى موهبة حقيقة
اولاً، ثم الى تأهيل اكاديمي يعزز الموهبة، ثم الى تقويم للاداء ومتابعة، كما هو حال سائر فنون الاعمال الحياتية الاخرى، التي يخضع العاملون فيها لما يعرف بـ \” تقويم الاداء الوظيفي \” ثم الى المزيد من الدورات التأهيلية بين فترة واخرى، والا اذا اعتبرنا ان كل من يقف وراء مايكروفون الدعوة هو كامل مكمل، فإن هذا شيء آخر لا اعرفه؟
>> ان خطبة الجمعة الجيدة تستطيع ان تؤثر فيك، وفي سلوكك وتعاملاتك، وتستطيع ان تنقل فصولاً منها الى اهلك، والى زملائك في العمل، والى ان تستشهد بجوانب منها في احاديث المجالس، وفي المقابل فان خطبة الجمعة الضعيفة، تدخل من الاذن اليمنى وتخرج من اليسرى، وتنساها قبل ان تنتهي صلاة الجمعة نفسها، بل لعلي اقول الآن لمن يقرأ هذه السطور هل تتذكر شيئاً من خطبة يوم الجمعة الماضي، فان كان الجواب بالإيجاب فالحمد لله، والا فان ماسمعت هو من باب محاولة اداء الواجب ليس الا .
>> وتظل خطبة الجمعة فناً قائماً بذاته، وهي مما يحتاج الى حسن الاعداد، وتلمس حاجة الحي او القرية، ومخاطبة الناس على قدر عقولهم، بدون إسهاب ولا إطناب وإنما إيجاز دون تطويل، وألاَّ يتحدث الخطيب في جمع من الفقراء والعمال عن الآثار الماحقة للربا، أو عن سوق الأسهم مثلاً ..وألاَّ يهدد ويتوعد الحاضرين بعظيم الذنب عن ترك الصلاة مع ان كل من إمامه في المسجد أما جاءوا للصلاة مبكرين وعليها مداومين ..وألاَّ يشرق ويغرّب في أرجاء الكرة الارضية متتبعاً احداث الساعة، ومعلقاً على آخر اخبار عالم السياسة ..فالمجتمع من حوله به وفيه من القضايا الاجتماعية، والمسائل التربوية والسلوكية، ما يجعل الخطبة مادة فكرية تهذب التعامل، وتزيد من محبة الناس لبعضهم، ولمجتمعهم ووطنهم، فتحدث عندها اشاعة المحبة والتسامح والود والتفاؤل ..وتحضر الابتسامة التي إن ألقيتها في وجه أخيك كانت صدقة .
بخيت الزهراني
bakeet8@hotmail .com
التصنيف:
