رؤية جابر الخرافية
كان لجابر بن حيان .. عالم الكيمياء العربي القديم ، رؤيته الخاصة فيما يحاول إثباته خلال دروسه وتجاربه في زمنه ( القرن التاسع الميلادي ) ، وهي تحويل المعادن غير النفيسة إلي ذهب !! هذه الرؤية رغم غرابتها كان قد تأثر بها بن حيان من علوم اليونانيين والساسانيين القدامى كما يعلم الجميع ، فأصبح مأسوراً بها حد الهوس ، ونتيجة لهذا الشغف استطاع أن يحقق ما لم يكن في الحسبان من النتائج العظيمة التي كان يراها جانبية لا علاقة لها بما كان يختلج في نفسه من طموح . مع أن تلك النتائج هي من صنعت عظمة بن حيان وجعلت من اسمه نجماً يضرب في أطناب الأرض ويترسخ في الذاكرة البشرية على مدى قرون ، في مقدمة بن خلدون ما يوحي بأن الدنيا حينما تلقفت مآثره ومصنفاته من بعده لم تكن تسمها علم الكيمياء مطلقاً ، لأن الأخير لم يكن معروفاً قط لا في زمنه ولا في الزمن الذي سبقه أو حتى الذي أتى من بعده ، إنما كانوا يسمونه ” علم جابر ” ولا نعلم إلي متى استمرت هذه التسمية ؟ مع أنه لم يكن يتقصد فعلاً أن يؤسس لهذا العلم أو أن تسير تجاربه على هذا النحو ، فقط كان يسعى لتحقيق حلمه الذي أشرنا له أول المقال ، غير أن كل تجربة كان يجريها كانت تهديه بدورها إما عنصراً جديداً أو مركباً مختلفاً ، فيقوم بتوثيقها ورسم خطواتها لينتقل بعدها لتجربة أخرى ، والمحصلة نحو ( ٣٠٠٠ ) من الرسائل والكتب والمصنفات ، الأمر الذى دعى فيلسوفاً مثل فرانسيس بيكون بأن يلقبه بأبي الكيمياء.
فلو جاز لنا الاستهلام من سير العظماء ما نثبت به تأثير الغايات القصوى ( حتى وإن كانت خرافة أو مستحيلة ) في صناعة المجد والإبداع فلن نجد أفضل من سيرة ابن حيان مع غايته تلك ، خاصة إذا ما كانت تلك الغاية معززة بقوة التصميم رغم تكرار الفشل الذي أشارت له صاحبة كتاب ” الكشف العلمي ” د.م.تيرنر بقولها : ” حينما سخن بن حيان الكبريت والزئبق سوياً (بذات المقادير والنقاوة المطلوبين) لم يحصل على ذهب ، بل مركب آخر مختلف ( كبريتيد الزئبقيك ) لأول مرة والذي أعطاه اسم ( زنجفر ) ، وكان بإمكانه حينها نبذ نظرية الذهب تلك برمتها بعد فشل هذه التجربة ، لكنه وضع اللوم على نفسه عوضاً عن ذلك ليعطي لنفسه ذريعة وجوب تكرار التجربة مرة أخرى”.
هذا ما يجب أن نستلهمه .. وهذا ما يهمنا من قصة بن حيان ، العزيمة والإيمان بغاية عظيمة ، ثم بعد ذلك السير نحو تلك الغاية بصبر وحلم وأناة وبعمل دائم بما يجب أن يعمل وبأفضل طريقة ، صحيح أنه لم يصل لغايته البتة ، لكن جهده لم يذهب سدى ، فمكافآت الجهد الحقيقي هو ما يتحقق أثناء الرحلة لا في نهايتها ، نفهم ذلك جيداً حينما نتأمل رحلة بن حيان بعد أن نطرح هذا السؤال .. ماذا لو أن الشك خالجه حول غايته تلك بأنها خرافة وضرب من المستحيل ؟ أكان سيترك خلفه مئات المصنفات والكتب والطرق والتجارب الهامة في علم الكيمياء لقرون طويلة ؟.
@ad_alshihri
[email protected]
التصنيف:
