دكتور لليلة واحدة فقط
[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]بخيت طالع الزهراني[/COLOR][/ALIGN]
** حضرت ذات مرة مناسبة اجتماعية في بيت أحد أصدقائي القدامى بجنوب جدة، وبعد أن استقبلني هاشاً باشاً عند فوهة داره، قدمني الى الحضور الذين كانوا يجلسون في حديقة الفيلا في ليلة جداوية شتوية جميلة، فبادرني أول الحاضرين – وأظن أن الأمر التبس عليه – بقوله: \”أهلاً يادكتور.. شرفتنا الليلة\” وانتبه بعض الجالسين لترحيبه، فيما بدأت أنا في موقف لا أحسد عليه من الاحراج, لانني لست دكتوراً ولا يحزنون، وقد توقفت علاقتي بالدراسات العليا عند حدود البكالوريوس، لكنني في الواقع قد شعرت لبعض الوقت بالانتفاخ من كلمة \”يا دكتور\” التي ألصقها بي ذلك الأخ بحسن نية، وطيلة تلك الجلسة والكثيرون من حولي وكانوا لا يعرفونني من قبل كانوا يظنوني دكتوراً فعلاً، وظللت حائراً بين أمرين, هل أصحح لذلك الأخ معلوماته، أم \”أمشيها\” وأكون في عيون الجالسين دكتوراً ولو ليلة واحدة؟!!
** والواقع أن أحدنا يطرب للمديح والالقاب ولكن هناك فرق بين أن ينساق المرء وراء سراب المديح، أو أن يرزقه الله الصواب فيقنع بما لديه.. وبعبارة أخرى فإن هناك من عباد الله من صار لقب دكتور في حد ذاته عاطفة جياشة، سعى ويسعى لتحقيقها، حتى ولو كان بالتزوير أو بشرائها من خارج البلاد، أو من \”الدكاكين\” المنتشرة هنا \”على قفا من يشيل\”.. وقد تأكدت من ذلك شخصياً، عندما زرت أحد \”الدكاكين\” في شمالي جدة، ووجدت أن سعر البكالوريوس \”15\” الف ريال مع دراسة 8 أشهر، ومثلها للدكتوراه، و\” ما بعنا بالكوم غير اليوم\”!!
** تذكرت كل هذا وأنا أقرأ مقال الاستاذ محمد الحساني الذي نشر في عكاظ قبل أيام عطفاً على الفضيحة التي اعلنتها وزارة العمل الامريكية، بوجود عشرة آلاف طالب حصلوا على شهادات الدكتوراه من الولايات المتحدة، عن طريق الشراء بالمال، وكان من بين أولئك سبعون سعودياً، أوقعهم شر أعمالهم في حبائل ذلك العمل الكريه، وعادوا إلى أرض الوطن يتباهون بشهادات الدكتوراه المضروبة، ليمارسوا أمام عيوننا مرضهم بـ\”الانتفاخ\” وقد يكون منهم من تسلم عملاً أو وظيفة في الدولة، تقلدها بشهادة مخرومة، وليس مستبعداً أن يكون قد أمطرنا صباح مساء بغثاء تنظيراته الواهية، وفلسفاته العقيمة!!
** وإنني في الواقع أضم صوتي إلى صوت أخينا الاستاذ الحساني، الذي طالب بنشر أسماء \”أولئك الحبايب\” حسب وصفه، خصوصاً ونحن نتغنى بالشفافية هذه الأيام صباح مساء، لكي يكونوا عبرة لغيرهم.. إما أن تم \”لملمة\” الموضوع \”أو الطبطبة على أكتاف\” هؤلاء.. فأبشروا بالمزيد من المزورين ومن مشتري الشهادات، الذين لا يفهم أحدهم \”كوعه من بوعه\” وعدد منهم لا يستطيع لو أمسك ميكرفوناً في جلسة خاصة أن يتكلم عدة عبارات بشكل مستقيم ومنظم، ويوحي لك كمستمع بانه يملك الحد الأدنى من المفهومية، فضلاً عن كونه دكتوراً وهو اللقب الذي نظن أنه لا يليق الا بالمبدعين، والقادرين على تقديم \”إضافة علمية\” جديدة لحقل المعرفة الانسانية، وليس لمجرد اعداد بحث عن \”لعبة البلوت\” أو \”أهمية البرشومي في حياتنا\”!!
** يا أيها الاخوة يجب علينا أن نفيق من رقدتنا، وان نعرف أن سباقنا مع أمم الأرض من حولنا، يمثل حالة من التحدي، التي لن يقوم بها إلا النابهون والجادون والقادرون على إحداث تغيير اجتماعي واقتصادي وعلمي وتعليمي، وليس هؤلاء المرضى بـ\”النرجسية\” الذين زادونا تأخراً، وأعاقوا تقدمنا في مسابقة الدول المتوثبة في الشرق والغرب، فقد صرنا نصحو كل يوم على وثبة جديدة لأمم الأرض، وأصبحنا نرى حالة مدهشة من التقدم العلمي تجتاح بلداناً كنا نظنها في عداد المستوى العادي، وإذا بها تقفز إلى الواجهة في مضمار التقنية والتكنولوجيا، وتصدير الاختراعات والمنتجات التي صنعها ابناؤها لفضل جديتهم وانكبابهم على الدراسات العلمية، التي تقدمها دور البحث والجامعات عندهم.. بينما عدد منا مازال يمارس الأحلام الطفولية بأن يكون دكتوراً بفلوسه.
[email protected]
التصنيف:
