في الأسبوع الماضي اصطحبت العائلة لنزهة مسائية لقضاء وقت ممتع في أجواء عسير الخيالية وأيضاً لتناول وجبة الإفطار الرمضاني في الهواء الطلق ، وهي للأمانة ليست فكرتي .. إنما فكرة السادة أعضاء مجلس العائلة الموقر الذين تكتلوا جميعاً ضدي وشكلوا جبهة موحدة لإقناعي بضرورة هذه النزهة .. وأنها لم تعد تحتمل التأجيل !! اجابتي المعتادة لكل اقتراحات التنزه السابقة ..ليس لانشغالي إنما لأن جنابنا في رمضان أحد الذين تصيبهم خدرة الفطور على السفرة ، أكيد معظمكم يعرفها .. لا يملك الواحد معها غير أن يتشبث بها ثم الانسحاب بكل رقة وهدوء للفراش قبل أن تبحث أن رأس آخر لتغازل أجفانه .. يعني تقدرون تقولون إنني غدوت معتاداً على الخنوع لهذه الخدرة ومدمناً لتعسيلتها حتى آخر تشخيرة فيها ، لكن مع ضراوة الحملة الأسرية هذه اضطررت لرفع راية التسليم ، وانطلقنا صوب إحدى الحدائق القريبة وفي جعبتنا زادنا وزوادتنا .
بعد أن تناولنا الفطور وأنجزنا ما علينا من فرض لم تتخلف عني تلك العادة اللذيذة !! أتت في موعدها بالضبط ، فتمددت على البساط .. وأسندت رأسي على ذراعي معلناً للجميع أن كل محطات الاستقبال لدي أمست خارج الخدمة مؤقتاَ ، أومأت زوجتي للأطفال بالهدوء أو الابتعاد إن أرادوا اللعب ، لكن ابنتي الكبرى ( 7 سنوات ) لا أظنها انتبهت لتلك الإيماءة ، وظلت تتحدث دونما انقطاع ، أتدرون بما كانت تتحدث ؟ كانت تروي بعض ما تتذكره من مواقف حدثت لنا أثناء نزهاتنا القديمة .. : ( أتذكرين يا أمي نزهتنا في جدة ؟ .. أتتذكر يا أبي ماذا فعلت لنا ونحن عالكورنيش ؟ ) ومع كل ذكرى تنتهي من سرد تفاصيلها كانت تتنتهد وتقول ( الله يسقيها من أيام ) ، فقالت لها أمها : ما شاء الله عليك ..نصف هذي الأشياء أنا ناسيتها .. أما أنت فتتذكرينها مضبوط !! فقالت وأنا بالكاد أسمع : تدرين يا أمي .. أحس أن رأسي مثل الكتاب .. كل المكتوب فيه ..الذكريات . ثم ضحكت .
حينها لم أتمالك نفسي .. وبدأت أتساءل .. كيف لمثلي أن يغفل أنه شريك في تسطير مضمون ذلك الكتاب ؟ كل يوم بالنسبة لها ولي ولكل الناس بمثابة صفحة بيضاء جديدة .. تترقب عنوانا جديدا وقصة جديدة ، لماذا لا نسعى لأن نكون بالفعل جزءاً من قصص وذكريات أطفالنا وأحبائنا وكل من لهم حق علينا ؟ أليس بإمكاننا أن نجعل – لا أقول كل بل – معظم تلك القصص سعيدة وذات عناوين جميلة ؟ إذن ماذا تنتظر ؟ قل سحقاً لهذه الخدرة اللذيذة .. ولا تسمح لها أن تكون عنواناً بائساً لنزهة هذا اليوم ؟
اعتدلت جالساً ثم التفت نحو هذه الحكواتية الصغيرة ( كانت تظن أنها التفاتة غضب لأنها لم تسكت ) .. ثم مددت يدي وقلت : هات يدك ؟؟ هيا ساعديني على النهوض .. فلا زال أمامنا فرصة لكتابة قصة في كتاب ذكرياتك أكثر متعة من خدرة الفطور .

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *