ثقافة الأيتام
اليتيم هو أو هي فرد من شريحة مجتمعية لا حول لها ولا قوة في التواجد ضمن هذه الشريحة العزيزة عند الله والتي يفترض أن يعزها الناس من إعزاز خالق الإنسان سبحانه لهم، ولهذا سوف يجد المتدبر لمحكم التنزيل أن هذا الكتاب الحكيم يحوي في طياته بعض الأمور الاجتماعية المهمة التي يتكرر ذكرها ويُشدد عليها في مواضع مختلفة، يأتي في مقدمتها الحث المتنوع للتواصي باليتيم الذي تكرر ذكره إثنى عشرة مرة في أربع سور مختلفة وكأنها بعدد شهور العام وفصوله.
عندما تتدبر آية تعدد الزوجات تجدها مشجعة للإقساط بين اليتامى المبين في قوله تعالى:” وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ” وفي كل مواقع العطاء يأتي ذكر اليتامى، وكذلك تجد أن أكل مال اليتيم ذكر منفرداً بالرغم من وجود آيات بتحريم أكل أموال الناس بالباطل لتأكيد الدرجة الرفيعة لليتامى، ولهذا توعد الله المعتدين بأن ما يأكلوه هو نار في بطونهم وأنهم سيصلون سعيرا.
الوصاية على الأيتام في القرآن والسنة تظهر لنا أن هنالك وصف اجتماعي ضخم يشجع على دمج هذه الفئة الغالية ضمن بيوت المجتمع وليس في دور رعاية منفصلة، ولهذا جاء تشريع التسمية في عدم إعطائهم نفس الاسم لكي لا تخلط الحقوق بحكم أن من يتربى في العائلة منذ ولادته سوف يكون أخاً أو أختاً بالرضاعة ولهذا أوصى الشارع سبحانه برزقهم عند حضورهم توزيع الإرث لأنهم من العائلة وليسوا من دار الرعاية، عطاء غير مفروض يزيد المحبة ويزيد صفاء السريرة.
صحيح أن كثير من النابغين و المتفوقين خرجوا من دور الرعاية، ولكن تعتبر هذه نسبة قليلة من الباقين الذين ينشأون في دور رعاية قد تكون هي سبب إنحرافهم الذي قد يكون أحد أسبابه حقدهم على المجتمع الذي يعتبروه قد عاقبهم منذ ولادتهم على ذنب ليس لهم ادنى مسؤولية فيه مع العلم أن رعايتهم من ضمن الأبناء سوف يبعث الرحمة والألفة ويحقق الأمن الاجتماعي العميق.
لأبد أن نطور ثقافة المجتمع في التعاطي مع اليتامى التي تجلب خير الدنيا والآخرة بحيث تكون معاملة تَبني وليس دفع فلوس لجمعية قد يعاملون فيها بقسوة وبدون حنان فقدوه بفقدان الأبوين، وهنا يكون التعدد في الزوجات ليس للشهوات ولكن للإقساط في اليتامي خوفاً من أن تعاملهم زوجتك بغير ما تعامل أبناءها فلا يتحقق الإقساط، فما بالكم عندما يترك اليتيم في أيدي موظفين بعضهم أقرب للجلادين؟
عضو الجمعية العالمية لأساتذة إدارة الأعمال – بريطانيا
التصنيف:
