[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]د. فهد عبدالكريم على تركستاني[/COLOR][/ALIGN]

تعتبر الرضاعة الطبيعية خير حماية للطفل سواء من سوء التغذية او الإصابة بالأمراض وقد شهد العقدان الأخيران وعياً متزايداً بأهمية الرضاعة غير أن جميع المركبات الكيميائية التي تتناولها الأم تظهر كلها تقريباٌ في لبنها بشكل أعلى من معايير الجرعة اليومية ومن حدود المخلفات القصوى التي أقرتها منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة. بيد أنه لم يوجد أي دليل يشير إلى أن مستويات الـ DDT والـDDE الموجودة في اللبن البشري عموماً قد الحقت أضرارا بالرضع. والواقع أن لبن الأم يكون عادة أقل تلوثا بكثير من بدائله كما ان المعدلات العالية للوفيات والاصابة بالأمراض المنتشرة بين الأطفال الذين تمت تغذيتهم اصطناعيا في بلدان نامية كثيرة يمكن ان تعزى إلى التحضير غير السليم لمركبات أغذية الأطفال وغيرها من الأغذية وتلوثها وقد ساعد قبول المدونة الدولية لتسويق بدائل لبن الأم التي وضعتها منظمة الصحة العالمية ، على وضع برامج نشطة تدعمها الحكومات لتشجيع الرضاعة الطبيعية وبالرغم من تزايد شعبية الرضاعة في البلدان الصناعية فإنه لم تحدث زيادة مماثلة في البلدان النامية.
تحدد الأوضاع البيئية المختلفة الاختلافات الموسمية والإقليمية في حدوث الأمراض ففي البلدان النامية تنتشر الأمراض المعدية والطفيلية ومضاعفات ما قبل الولادة والحمل وتنتقل بعض الأمراض المعدية بسهولة أكبر أثناء فصل الأمطار كما ان درجة الحرارة والرطوبة والتربة وسقوط الأمطار والأحوال الجوية تعتبر جميعا عوامل مهمة في إيكولوجية أمراض معدية معينة نظراً لأنها تتحكم في توزيع ناقلات الأمراض ووفرتها.
يتعرض البشر لشتى المواد الكيميائية في منازلهم وأماكن عملهم ويتوفر الآن قدر واسع من المعلومات العلمية عن الآثار قصيرة الأجل للتعرض لمستويات عالية من المواد الكيميائية الخطرة غير أنه لا يعرف سوى القليل مما يحدث للأفراد الذين يتعرضون إلى تركيزات منخفضة للغاية من هذه المواد الكيميائية بعد 20 أو 30 عاماً بيد انه يمكن قياس الآثار المترتبة على هذا التعرض في السكان على أساس التغيرات الفسيولوجية والأمراض والوفيات، كما ان الطفرات الجينية (إنتاج سلالات وراثية جديدة معظمها مضرة) يمكن ان تكون لها اسباب كيميائية وأن تكون دائمة ويعد السرطان والعيوب الخلقية من ضمن الأخطار الأخرى على الصحة التي قد تنتج من التعرض الطويل الأمد للمواد السامة وتحدث العيوب الخلقية بنسبت 2-3% من جميع حالات الولادة ومن هذه النسبة تعود 25 % إلى الإشعاع والفيروسات والعقاقير والمواد الكيميائية وتنشأ أربعة أنواع من الأسباب المعروفة (الإشعاع،الفيروسات، العقاقير ، المواد الكيماوية) وتنشأ النسبة المتبقية وتتراوح بين 65و70 % عن اسباب غير معروفة ولكنها قد تتأتى من تفاعل عدة عوامل بيئية مع عوامل جينية .
وهنا يجب ألا يغيب عن البال أن الزبدة الصناعية والحليب المجفف والحلويات الصناعية وسلسلة طويلة من المنتجات الصناعية الغذائية، التي تُعد في العالم الثالث منتجات حضارية طيِّبة المذاق رخيصة الثمن، هي منتجات بالغة الضرر على صحة متناوليها. وتسدل وسائل الإعلام الغربية ستاراً كثيفاً على التقارير التي تعالج مضار الأغذية الغربية هذه، كي لا ينعكس ذلك سلباً على المصالح التجارية لصانعي الغذائيات الجاهزة أو نصف الجاهزة. ورغم أن المشكلة تكمن في تناقض مصالح الاحتكارات المصنعة لهذه المنتجات مع صحة المواطنين الذين يعيشون في الدول الغربية، إلا أنها في دول العالم الثالث أعقد وأعمق بكثير، فهنا يسود الفقر الثقافي والتربوي والصحي والبيئي، إضافة إلى الفقر المادي وتدني مستوى المعيشة. لقد اكتشفت بعض الدول الأوربية ظاهرة التلوث بالكلورايد، الذي صار أحد عوامل تلويث حليب الأبقار وحليب الأمهات المرضعات .
وقفة: أيتها البيئة الخالدة في قلبي : لقد آن لإنسان اليوم أن يعرف الحقيقة، لكي يضع حداً لما فعله إنسان الأمس الاستغلالي الذي قهر الطبيعة، وكي يعرف مكانه الحقيقي على هذا الكوكب، وإلا فإن أمله بالاستمرار على قيد الحياة سيكون ضئيلاً، فتصرفات هذا الإنسان أخذت تماثل تصرفات الطفيلي الفائق النجاح ،الذي يحكم على نفسه بالموت لدى قتله لعائله.

أستاذ الكيمياء المشارك بجامعة ام القرى بمكة المكرمة
مستشار الرئاسة العامة للارصاد وحماية البيئة
رئيس فرع جمعية البيئة السعودية بمكة المكرمة

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *