تكاثر النسل
من الطبيعي والمنطقي أن يكون التكاثر في النسل أحد الإستراتيجيات التي تعتمدها القبيلة لبسط نفوذها وحماية نفسها ومناطق نفوذها على الأرض . وتلجأ القبائل الأقل عدداً ونسلاً للتحالفات والمعاهدات لحماية نفسها وتعويض ضعفها . وهذه الأعراف والمفاهيم التي سادت في الجزيرة العربية في العصور القديمة قبل البعثة المحمدية وساعد على إزدهارها طبيعة الأرض والجغرافيا والمجتمع القبلي وعدم وجود حكومة مركزية .
وأما بعد البعثة وظهور الحكومة المركزية فقد ساهم تجيش المجتمع بهدف التوسع والفتوحات إلى تعميق هذا المفهوم ، وخاصة إذا ما عرفنا أن العرب المسلمين كانوا أقلية في البلاد التي فتحوها ، ففي مصر ظل العرب المسلمين على سبيل المثال أقلية لا تزيد عن 10% “عشرة في المئة” حتى بعد القرن الثالث الهجري . وقد ساهم تعرض البلاد المفتوحة إلى هجمات خارجية أيضاً في إيقاد هذا الفكر للحفاظ على الذات والبلاد.
وقد أصبغت هذه الفكرة بالصباغ الديني حتى أصبح لدى الكثير اعتقاد سائد أن تحديد النسل أمر مخالف للدين وللشرع .
وقد عملت التفسيرات والاجتهادات على إزكاء هذه الثقافة والأعراف التي توارثناها جيل بعد جيل حتى أصبح الشكل أهم من المضمون ، أي أصبحنا نهتم بالتكاثر لمجرد التكاثر والتباهي والتفاخر على حساب المضمون ، فارتفعت نسبة الأمية والجهل في بعض المجتمعات الإسلامية بشكل مخيف ومفزع ، وأثر ذلك على التنمية فارتفعت أرقام البطالة والمرض وغير ذلك من آثار مخيفة ومدمرة للبلاد ، وأصبحت زيادة النسل مشكلة وداء بدلاً من أن تكون دواء وحلاً ووسيلة للحفاظ على العباد والبلاد والتوسع والإزدهار ، كما كان في العصور السابقة قبل الإسلام أو بعد الإسلام والفتوحات الإسلامية .
لا شك أن إعطاء صبغة دينية للتكاثر والتفسيرات المؤيدة لذلك هي التي أصلت لهذا المفهوم وجعل الأعراض عن الإنجاب أمر يبغضه الشرع حتى أصبح مفهوم كثرة الإنجاب من الفحولة للرجل والأنوثة للمرأة . إن الإهتمام بالشكل أضاع المضمون والجوهر ، فليس الزواج للزوج هو الجوهر وإنما إنشاء أسرة قوية متماسكة متراحمة قادرة على أن تنفع نفسها وتفيد غيرها . فالأساس والجوهر أن تكون الأسرة منتجة وليست أسرة تكون عالة على المجتمع والإنسانية أسرة يتفشي فيها الجهل والفقر والمرض .
لهذا فأنني أدعو علماءنا الأفاضل في المساهمة في إعادة توضيح هذا المفهوم الذي أصبح جزء من الأعراف والثقافة والقناعة الدينية بأن التكاثر في النسل أمر مستحب شرعاً . كما أدعو القائمين على الإعلام والتعليم بإعادة الترشيد والتثقيف والتنوير للمجتمع . لأن مجتمعنا لا يحتاج إلى كثرة في العدد بل إلى التوعية فكم من فئة قليلة قادرة على الإنتاج والتقدم والنصر بمفهومه الواسع الذي يشمل القدرة على تجاوز العقبات والصعاب وتحقيق النجاحات أفضل من أمة غثاء كغثاء السيل.
osamayamani@
التصنيف:
