تاج الأوطان
في ليلة وطنيّة جميلة كنا نتابع فقرات الحفل البهيج الذي أقامته إمارة منطقة الباحة داخل غابة رغدان بمناسبة ذكرى اليوم الوطني المجيد لبلادنا الغالية . وكانت الذّاكرة تعود بي إلى الوراء قليلا لتأمّل ما كنّا فيه وما أصبحنا عليه في كل جانب بفضل الله . ومن جملة ما استعرضته الذّاكرة مكان الحفل الذي كان مخيفا لا يجرؤ أن يدخله إنسان بمفرده نهارا ويستحيل أن يمرّه ليلا فهو موحش مع دماسة الظّلام التي تجعل أشكال الأشجار كالأشباح , حتى استقرّت وهماً في مخيّلة الناس هنا بأنها أماكن لا يقترب منها إلا الجن فقط .
وأثناء استماعي ومشاهدتي للأناشيد الوطنيّة والقصائد الشعريّة المرهفة والكلمات الخطابيّة المعبّرة ورقصات الشّجاعة والبسالة للفرق الشّعبية من شباب المنطقة , كنت ابتسم وأنا أطالع من حولي الجموع من الرّجال والنساء الذين حضروا إلى هذا الموقع الذي ازدان باللمسات الجمالية والخدمات البلدية والأنوار البهية ليصبح من أجمل المنتزهات السّياحية التي يقبل عليه الناس في كل الأوقات . وعرفت أن الوهم قد غاب تماما بحضور العقل واندحر الجهل والظّلام بنور العلم والمعرفة . فهذا المكان السّياحي الزّاهي بما قُدّم له وغيره من المواقع والمنشآت كمنجزات تمثلّ جزءا ضئيلا من الجهود العظيمة التي تبذلها حكومتنا الرّشيدة في أنحاء هذه الدّولة القارّة . مما يجعل احتفالنا باليوم الوطني احتفالا بالمنجزات الحضاريّة الهائلة التي تحقّقت على ثرى هذه البلاد الطّاهرة .. والتي أصبحت علامة مضيئة يفاخر بها كلّ سعودي انتماء راسخا وولاء صادقا لهذا الوطن الشّامخ وقيادته الحكيمة .
فاليوم الوطني يذكرنا بالمؤسّس العظيم الملك عبد العزيز طيّب الله ثراه , كما يذكّرنا الملك عبد العزيز باليوم الوطني , في متلازمة لا تنفصل عن بعضها . فهو الذي صنع أعظم وحدة وطنيّة في التّاريخ المعاصر , ليست وحدة القبائل والدّيار , بل وحدة القلوب والعقول . فقد تبدّلت مشكلة التّناحر إلى حالة التّآخي والفوضى إلى النّظام , وأخرج شعبه من الجهل إلى العلم ومن الضّعف إلى القوة . فتشكّل كيان هذه الدّولة الفتيّة على ركائز المحبّة والإخلاص والوعي والعمل .
وإذا كانت الشّعوب تفخر بأوطانها فلنا أن نفخر بوطن ليس كأي وطن فهو تاج الأوطان , بما متّعه الله من ميزات وخصائص لا توجد في بلد غيره . فهو يضمّ بين جنباته بيت الله الحرام ومثوى الرّسول الكريم عليه السّلام , وإليه تتّجه أنظار المسلمين خمس مرات في اليوم للصّلاة بقلوب خاشعة وإليه يفد الحجّاج من كل أنحاء المعمورة لأداء الركن الخامس بنفوس مشرئبّة .
ولنا أن نباهي بصانع الأمجاد باني هذا الدولة المجيدة الملك عبد العزيز الذي أرساها على منهج القرآن الكريم والسّنة المطهرة , فتسامقت بين الدّول بخصوصيّة الشّريعة الغرّاء . وعلى نفس النّهج والمنوال سار من بعده أبناؤه الملوك البررة , حتى هذا العهد الزّاهر عهد خادم الحرمين الشّريفين الملك الصالح عبد الله بن عبد العزيز يحفظه الله , فقد تحقّق للبلاد نقلات نوعيّة بكافة الجوانب الأمنيّة وجميع المجالات التّنمويّة فاستحقّت فعلا أن تكون بلد الإنسانية والسّلام .
والواقع أن اليوم الوطني ليس يوما عاديا وليس مجرد ذكرى عابرة بل هو استشعار بأهمية الوطن وترسيخ لمحبته وعرفان بفضله واحترام لمكانته التي جعلته محل التّقدير العالمي , كونه أنموذجا للاستقرار السّياسي والنّماء الاقتصادي الذي لم يكن ليتحقّق لولا العلاقة المُتجذّرة التي تربط قيادة حكيمة عادلة وشعب مخلص وفي يعتزّ بثوابته ويفخر بحاضره ويتطلّع لمستقبل بهيّ ليظلّ الوطن دائما وأبدا واحة أمنٍ وارفة الظّلال .
التصنيف:
