بلاش مثالية : تعليق الدراسة ضرورة إنسانية
الذين يتهكمون من قرارات تعليق الدراسة عند سوء الأحوال الجوية كما هو الحاصل هذه الأيام في معظم مناطق المملكة بسبب تدني درجات الحرارة لما دون الصفر أحياناً ، بدعوى أن هذا يدل على تخلفنا واستمرائنا للكسل وركوننا لتعطيل العمل أكثر من دافعيتنا للإنجاز والتحصيل وغير ذلك من عبارات التقريع والتقزيم الذاتي ، أقول أن هؤلاء المأزومين بالمثالية الجوفاء أكاد أجزم أن معظمهم يعيش هو وأطفاله في بيت حديث مزود بكافة وسائل التدفئة الحديثة ، ولديه سائقه الخاص الذي يدير له محرك سيارته الفارهة المزودة أصلاً بآليات التدفئة المتطورة كتسخين الزجاج الأمامي والمقاعد ونحوها ، والمركونة بالقرب من الباب ، فضلاً عن مكان عمله ونوعية المدارس التي يرتادها أبناؤه والتي لا أظنها أقل دفئاً من الفيلا والسيارة ، فهؤلاء وحدهم هم من يتشدقون بضرورة الذهاب للعمل في صقيع الشتاء أو في المطر ، وهؤلاء فقط يجدون في ذلك فرصة للتباهي بالجدية والمثابرة ، وليس كمن يعيش في منزل ريفي أو شعبي بالكاد لديه دفاية يتحلق حولها الأبناء كلما اشتد عليهم لسع الصقيع، أو كلما تلافحتهم سهامه المتسللة من تحت الأبواب أو من بين النوافذ ، وبالتأكيد أن ذاك المتباهي بسيارته العصرية قد نسي وهو في غمرة نعومة مراتبها أن كثيرا من المواطنين لم يزل يحلم بقيادة أي سيارة من سيارات الألفية الثالثة ، إن شاء الله 2000 أو 2001 ، لا يهم ، المهم أن يتخلص من سيارته المهترئة التي تأتيها موجات الصقيع من فوقها ومن جنبيها ومن تحت مراتبها ، فهل صاحبنا المثالي يدرك معاناة هذه الطبقة من المواطنين وهو يغرد في تويتر بمثاليته المتصنعة ؟ هل يدرك أن معظم المواطنين في الأرياف والقرى والهجر البعيدة لم يزل أبناءهم يذهبون للمدارس على ظهور سيارتهم النقل ( الوانيتات ) آناء النهار وأطرافه ؟ والمصيبة أن هذا المثالي الجهبذ يستشهد بالدول المتقدمة مدعياً أنها لا تعلق الدراسة مهما كانت الظروف ، مع العلم أن عملية بحث صغيرة أجريتها على جوجل كذبت هذا الإدعاء الزائف ، فمن هونج كونج إلي الغرب الأمريكي وجدتهم يعلنون عن تعليق الدراسة لأسباب لها صلة بالأحوال الجوية ، ومن لم يصدق فليجرب بنفسه ، ثم على افتراض أن دعواهم تلك صحيحة ؛ ألا يفترض قبل كل شيء تأمل البنى التحتية وما يرتبط بها من خدمات متقدمة كالنقل العام ، والنقل المدرسي ، والتدفئة المدرسية ونحوها فيما بيننا وبينهم ثم بعد ذلك يتهكم كيفما يريد ؟ يا أقوام المثالية في كل مكان .. دعو وزارة التعليم تمارس إنسانيتها ، وشجعوها على ذلك ، لا نريد أن تتكرر مآساة طالبة المدينة المنورة التي وافتها المنية قبل نحو ثلاثة أيام بعد أن نخر عظامها البرد .
@ad_alshihri
[email protected]
التصنيف:
